لماذا لا ينتصر العرب لانتصارهم؟

 

د. بثينة شعبان

 28 آب 2006

في خبرين متناظرين، تناقلتهما وسائل الإعلام في 24 آب 2006، مؤشرات لرسائل شتى ولخلفيات قد تلقي ضوءاً على مسائل معقّدة تتعلق بفهم الواقع الرسمي العربي. الخبر الأول من القدس يقول: "وقّعت ألمانيا و"إسرائيل" عقداً لبيع غواصتين من صنع ألماني من طراز "دولفين" إلى سلاح البحرية الإسرائيلية. وقالت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية: "إنّ الغواصتين قادرتان على إطلاق صواريخ تحمل رؤوساً حربية نووية، وإنّ قيمة العقد الذي وُقّع الشهر الماضي يبلغ ملياراً و270 مليون دولاراً تُموِّل الحكومة الألمانية ثلثه". هذا الخبر مرَّ على الحكومات العربية ووسائل إعلامها دون تعليق، فإسرائيل هي المُسلّحة بصواريخ نووية وليست إيران لكي يحتجّ العرب! والغوّاصات دليل نية إسرائيل حمل هذه الصواريخ للبحار البعيدة لضرب بلدان عربية ومسلمة بالتأكيد ولذلك ربما لم يحتجّ العرب أيضاً!! أما الخبر الثاني فقد نشرته جريدة الحياة في التاريخ نفسه وهو أنّ "الجيش اللبناني يضبط مخبأ أسلحة لـ "حزب الله" والسنيورة لا يستثني وسيلة لحماية السيادة"، وسواء أكان هذا الخبر دقيقاً أم غير دقيق، فإنّ الواقع هو أنّ وسائل الإعلام العربية والعالمية مشغولة بكيفية ضمان نزع سلاح لبنان تحت اسم منع تزويد حزب الله بالسلاح، ولذلك لم يقيم العرب الدنيا ويُقعدوها على إبقاء إسرائيل لحصارها البرّي والبحري والجوّي المفروض على لبنان، ونشر قوّات مسلّحة من دول عُرفت بتاريخها الاستعماري وبتسليحها لإسرائيل ودعمها المطلق لها تحت اسم قوّات "دولية" في الجنوب اللبناني لضمان أمن إسرائيل، وبالتأكيد ليس لضمان أمن لبنان، انطلاقاً من "مبدأ بوش"، الذي يسود العلاقات الدولية حالياً، أنّ إسرائيل هي الضحية وأنّ العرب هم "الإرهابيون"، وأنّه يجب تجريد هؤلاء "الإرهابيين" من السلاح وقطع إيرادات السلاح عنهم كي تنعم المنطقة بسلام، أي، وفق الواقع الفعلي للأمور، كي تمعن إسرائيل في إذلال العرب وسجنهم وقتلهم والتّنكيل بهم، واحتلال أرضهم، وارتكاب المجازر والعدوان عليهم متى شاءت وكيفما شاءت بعد أن أثبت العالم أنّه مستعد أن يشاهد قتل العرب وإذلالهم دون أن ينطق بأيّة إدانة ما دام القتلة إسرائيليون. وبالتزامن مع هذه الأخبار نفسها، وانطلاقاً من مبدأ بوش ذاته، أي أنّ العرب إرهابيون، يتمّ تفتيش الطائرات اللبنانية في الأردن لضمان عدم وصول أسلحة لهؤلاء، بينما تمارس قوّات الاحتلال الإسرائيلي فرض الحصار على عائلات الصيادين في صور، ويُنفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات فوق قرى وبلدات الجنوب الحدودية ومنطقة البقاع، وتستمرّ إسرائيل في خطف مدنيين لبنانيين من الجنوب، بينما يستشهد لبنانيون آخرون بالقنابل العنقوديّة التي خلّفتها إسرائيل، كما يستشهد فلسطينيون يومياً بقذائف الدبابات الإسرائيلية، كما تعتدي قوّات الاحتلال على أمّهات الأسرى ويستخدمون غاز الأعصاب ضدّ مناهضي "الجدار"، بينما تحرس قوّات عربية فتحة في "الجدار" كي لا يتسلّل منها الفلسطينيون إلى أرضهم وكي يبقى سجن غزّة الكبير محكماً في وجه أهل غزّة. وبعد كلّ هذا وذاك نرى بعض العرب منهمكين في القرار 1701 الذي صدر لإنقاذ إسرائيل من هزيمة عسكريّة منكرة لحقت بآلتها وهيبتها الحربية، في الوقت الذي يتجنّبون الحديث عن مجازر الإبادة الجماعية التي ارتكبها قادة إسرائيل، أولمرت وحلوتس وبيرتس، في لبنان أو في تطوير وتفسير ونشر تقرير منظمة العفو الدولية والذي اتهم الجيش الإسرائيلي "بتدمير متعمّد للبنية التحتية في لبنان"، أو تطوير وشرح وتوثيق تصريح مسؤول في الأمم المتحدة بأنّ إسرائيل ألقت قنابل عنقوديّة في 170 موقعاً في جنوب لبنان، أو إيصال الاحتجاجات الصّارخة إلى الكونغرس على تزويد الولايات المتحدة لإسرائيل بالقنابل العنقوديّة والتي ارتكب بها أولمرت المجازر في قانا ومروحين والشياح وغيرها العديد، وألقت بالمئات منها في أرض الجنوب والضاحية كي تحصد المزيد من الضحايا المدنيين الأبرياء حتّى بعد انسحاب قواتها.

        اللافت في أدبيات وإعلام ما بعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على لبنان، وما بعد الهمجيّة التي ارتكبها أولمرت بحقّ الأطفال والنساء في لبنان هو أنّ عدداً لا يُستهان به من الأقلام الحرّة في الإعلام العالمي منشغلة بالتحقيق بأسباب هزيمة حكومة إسرائيل وجيشها، ويتمّ تشكيل لجان في إسرائيل لمحاسبة المقصّرين من مجرمي الحرب ليس على جرائمهم وإنّما على خسارتهم الحرب، بينما ينشغل بعض العرب بمحاولات تفكيك أسباب قوّتهم وذلك بالعمل على نزع سلاح مقاومتهم، وتطبيق القرارات التي صدرت بهدف إخضاع بلدانهم لسيطرة قوى أجنبية معتبرين أنّ المساس الوحيد بسيادتهم يمكن أن يأتي من دولة عربية أو قوّة عربية اعترف لها العدو قبل الصديق أنها فاقته ذكاءً وتنظيماً وأخلاقاً وأداءً، ويمكن للقارئ العربيّ أن يطّلع على الصحف الأجنبية، وبما فيها الصحف الإسرائيلية والتي تكتب يومياً عن سرّ أداء هذه القوّة وتفوّقها في الحرب على الجيش الذي كان يُعتبر أنه لا يقهر. فقد شكّلت الولايات المتحدة لجنةً لدراسة تجربة حزب الله في القتال، ومحاولة الاستفادة منها في الحروب الأمريكية، بحيث تعتمد أعداد قليلة مع عدّة قليلة، وتتمكن من هزيمة جيش مسلّح بآخر التقنيات. كما أدعو القارئ العربي أن يطّلع على الحوار الساخن في الولايات المتحدة حول خسارة الولايات المتحدة للمزيد من مصداقيتها بسبب هذه الحرب، ودعمها اللامحدود لإسرائيل والذي يتناقض مع دستورها وقوانينها في استخدام الأسلحة الأمريكية. وأدعوهم للاطلاع على تصريح الرئيس كارتر لصحيفة دير شبيغل، والذي رأى في انخراط الولايات المتحدة بهذه الحرب على لبنان خرقاً للدستور الأمريكي والقيم الأمريكية، وحمّل المحافظين الجدد مسؤولية غياب السلام في الشرق الأوسط نتيجة تبنّيهم للحرب للتعامل مع العرب بدلاً من التفاوض معهم وانخراطهم الأعمى في دعم جرائم الحرب الإسرائيلية وهم الذين يجعلون من العرب مخلوقات من الدرجة الثانية في نظرهم ويبيحون علناً قتلهم والاستهانة بأسرهم، ويدعمون إسرائيل في ارتكاب كلّ الفظائع ضدّهم، وللمشكّكين من بعض الكتّاب والإعلاميين العرب الذين يجيدون جََلْدَ العرب بالدعايات الصهيونية وينبرون لتبييض صفحة العدو بكيل كلّ التهم الممكنة للمدافعين عن قوميتهم وعروبتهم أقول: هل صدرت أيّة إدانة أمريكية لمقتل طفل عربي واحد طوال سنين سريان مبدأ بوش القائل "بقتل العرب أينما وجدتهم إسرائيل". الإسرائيليون يطالبون أولمرت بالاستقالة وأنان يؤكد أن قرار 1701 لا يتطرّق إلى نزع سلاح حزب الله ولا يطالب بنشر قوّات اليونيفيل على الحدود اللبنانية السورية، وأربعون ناشطاً في حزب العمّال البريطاني ينسحبون من الحزب احتجاجاً على السياسة البريطانية بدعم جرائم الحرب في لبنان، والرئيس الفنزويلي، هوغو شافيز، يتّهم إسرائيل بارتكاب مجازر إبادة جماعية في لبنان، والوزير اليهودي روني كاسريلر في حكومة جنوب إفريقيا يُقارن بين عنصرية إسرائيل وعنصرية جنوب إفريقيا السابقة بينما ينشغل بعض الرسميين والإعلاميين العرب بإرضاء قتلة الأطفال والترحيب باستقدام القوّات الدولية واعتبار من يخرق وقف إطلاق النار من الجانب العربي عميلاً، بينما تخرق إسرائيل يومياً حرمة قرى الجنوب وسماء لبنان وتفرض الحصار الهمجيّ، وتقتل المزيد من اللبنانيين وتختطف المدنيين، وتستمرّ في تدمير أسس العيش الآمن والاستقرار دون أن يعتبر ذلك خرقاً للسيادة!. والياباني طوني إيوا يوزا، الذي قدم من اليابان ضمن الفريق الياباني إلى مدينة صور، أصيب بانهيار عصبي بعد مشاهدته الجثث والدمار والجرائم التي اقترفتها إسرائيل في المنطقة وانتحر بإلقاء نفسه من الطبقة الثالثة لـ "مشفى جبل عامر" في صور، وفارق الحياة على الفور، كما انتحر الجندي جاسون تشيلسي في بريطانيا لأنّ التدريبات التي خضع لها قبل إرساله إلى العراق تقول له أن يطلق النار على الأطفال قبل أن يسألهم لأنهم يرتدون أحزمةً ناسفة، وقبل أن يفارق الحياة قال لوالدته: لا أستطيع الذهاب إلى هناك، لا أستطيع قتل هؤلاء الأطفال! حتى أنّ هناك ضبّاطاً  وجنوداً إسرائيليين رفضوا الخدمة في هذه الحرب الوحشية!

        إنّ ما ارتكبه قادة إسرائيل في لبنان من جرائم، وما يتعرّض له العرب في فلسطين ولبنان والعراق من تآمر على حقوقهم ومستقبل شعوبهم، يثير قلقاً واشمئزازاً لدى كلّ شرفاء الأرض، ويلقى مساحاتٍ هامّةً من الاهتمام على صفحات الصحف الأجنبية في كلّ مكان، بينما ينشغل البعض من العرب في الإمعان بتحويل النصر إلى هزيمة وتكريس الاستهانة بالعرب وحقوقهم، وتجاهل ضحاياهم من أطفال ونساء ودمار وإهمال ما تعرّض له لبنان من جرائم حرب وجرائم إبادة وجرائم ضدّ الإنسانية وانتهاك كلّ القوانين والشرائع الدولية، كما يزداد إصرارهم على تعميق الفجوة في العلاقات بين سورية ولبنان، وبين البلدان العربية لكي يتمّ مسلسل الإجهاز على النظام العربي وعلى الشعب العربي بأسره.

        والسؤال المنطقي: بأيّ معيار يقبل بعض العرب تصنيفهم على أنهم إرهابيون، وأنّ قراهم ومدنهم مستباحة، وأنّه من الطبيعي قتل أطفالهم ونسائهم في مجازر جماعية دون عقاب للقتلة؟ وللمشكّكين من جلاديّ الذات العرب سؤال: ماذا فعل ميلوزوفيتش أكثر مما فعله أولمرت وبيرتس وحلوتس كي يهربوا من العقاب؟ والجواب هو: لو كان العرب يتنصرون لأنفسهم ولو لمرةٍ واحدة لوجدنا العالم اليوم برمّته منشغلاً بإدانة جرائم الحرب الإسرائيلية وبأخذ مجرمي الحرب أولمرت وبيرتس وحلوتس إلى محكمة جرائم الحرب الدولية، وبنشر صور الأرواح المهشّمة بالحقد والمجازر كي يتعرّف العالم على حقيقة قادة إسرائيل ووحشيتهم. كيف يمكن أن يحقّق العرب نصراً تاريخياً يعترف به العدوّ والصديق وقد يكون مبشّراً بإعادة الاعتبار لصوت العرب وموقفهم وكرامة نسائهم ورجالهم وأطفالهم، ثمّ لا ينتصر بعض العرب لانتصارهم، بل يشاركون في تقويضه واستقدام قوى القهر والعدوان مرةً أخرى وإرساء عوامل الفرقة والانقسام بينهم التي تزيدهم  ضعفاً محلياً وإقليمياً ودولياً؟ لقد بدأ الكثيرون في العالم يعون حقيقة إسرائيل، وأنّها مع المحافظين الجدد، رأس حربة الوحشية المتصاعدة في العلاقات الدولية، وبدأ تحوّل حقيقي في الرأي العام الأوروبي لصالح الحقّ العربي، فهل يتمسّك العرب بهذا التحول التاريخي من أجل تحقيق السلام العادل والشامل، ويدعموه ويشكّلون أحد أدواته الهامّة، أم يبقون منخرطين بأسطورة "التفوّق الإسرائيلي" و"الصداقة مع أمريكا" حتى بعد أن هزمت المقاومة هذه الأسطورة وشاركت أمريكا أولمرت حربه الوحشيّة؟ لقد تحرر العرب من الشعور بالضعف والمهانة بعد أن روى المقاومون العرب تراب لبنان بدماء العزّة العربية، فلنمسك جميعاً بهذا الواقع الجديد العزيز لأننا جميعاً في قارب واحد شئنا أم أبينا.