بوش ورايس: لغة تخون المعاني والواقع

د. بثينة شعبان

21 آب 2006

بعد يوم من وقف "العمليات العسكرية"، الاسم الذي أطلقه القرار 1701 على العدوان الإسرائيلي المتسم بالوحشية المطلقة، تحدث الرئيس بوش عن "الشرق الأوسط" ثم كتبت وزيرة خارجيته أيضاً مقالاً في الواشنطن بوست عن "الطريق إلى السلام الدائم في الشرق الأوسط". وغنيّ عن القول أن أياً منهما لم يرَ، هذه المرة أيضاً، ضرورة إدانة قتل المدنيين والأطفال العرب في لبنان، ولم يندد أي منهما، هذه المرة أيضاً، بالمجازر التي ارتكبتها إسرائيل في قانا أو الصيرفة أو مروحين أو الشياح والرويسة و غيرها الكثير، فالقتلة إسرائيليون والضحايا نساء وأطفال عرب ولذلك فإن بوش يدرج ذلك في مضمار "مكافحة الإرهاب". واللافت أن الرئيس بوش تحدث عن "الديمقراطيات الناشئة" في العراق ولبنان وتناسى عن عمد الديمقراطية الناشئة في فلسطين، والتي شهد الرئيس كارتر انتخاباتها، وقال عنها: "أنها انتخابات ديمقراطية نظيفة وشفافة". وبالتأكيد لم يتحدث بوش عن خطف إسرائيل لرئيس البرلمان الفلسطيني المنتخب، عزيز الدويك، الذي عرضته المخابرات الإسرائيلية مقيد اليدين والرجلين بالأصفاد، بعد أن ألحقت به صنوف التعذيب، وفشل الرئيس بوش و وزيرة خارجيته في إدانة إسرائيل لتدميرها المتعمد ل"الديمقراطية الناشئة" في فلسطين، و لا لم نسمع بإدانة جريمة إسرائيل لعملية الخطف هذه والتي تضاف إلى جرائمها المتواصلة من اختطاف وسجن أعضاء برلمان فلسطين ووزراء منتخبين في أحدث ديمقراطية في الشرق الأوسط. مما يفيد أن الإدارة الأمريكية الحالية تتبنى "ديمقراطيات" وتلغي أخرى وفق غايات تبتغيها هي، وبالأشخاص التي تريد لهم أن يديروا شؤون بلدانهم، هي وفي إطار تجاهل مطلق لرأي الشعوب، ولنتائج صناديق الاقتراع التي تنتخب قياداتها وترغب بتقرير مصيرها بحرية وكرامة. في تصريح الرئيس بوش الطويل، تجاهل متعمداً كلّ ما يدور في فلسطين. و تم التركيز على ما يراه بوش "من أن شعوب لبنان والعراق وأفغانستان مصمّمون على العيش بسلام وحريّة". ولكن بوش لا يستطع أن يرى الحقيقة كما هي، والتي هي أن انحياز السياسة الخارجية الأمريكية، في كل ما ترتكبه حكومة أولمرت، من عدوان وحروب وجرائم ومجازر على أكثر من بلد عربي، أصبح عائقاً حقيقياً في طريق "السلام والحريّة والديمقراطية" التي تطمح إلى تحقيقها هذه الشعوب، و التي يعزف اسطوانتها المشروخة بوش و موظفوه، خاصة بعد أن أصبحت الأسلحة الأمريكية الفتاكة تقتل أطفال لبنان ونساءه في مجازر جماعية ارتكبها جنرالات إسرائيل دون رادع. إذا كان الإرهاب، كما يقول الرئيس بوش، هو "قتل الناس الأبرياء لتحقيق أهداف سياسية" فإن ما ارتكبه نظام أولمرت بحق الشعب اللبناني من مجازر وقصف للبيوت، وقتل متعمد للمدنيين من أطفال و نساء و شيوخ، هو الإرهاب بعينه. و إذا كان تعريف بوش للإرهاب هو كذلك فلماذا لا يدينه؟! هل تعني عدم إدانة بوش و غيره من القادة الغربيين الذين يلقون علينا محاضرات عن الإرهاب و التحضّر و الشرعية الدولية، وغير ذلك، من الشعارات الطنانة أن الإرهاب نوعان: أحدهما مشروع و هو عندما تكون الضحايا من الأطفال العرب، و عندما تكون المدن و القرى و البيوت العربية هي الهدف، و الآخر غير مشروع، و هو عندما تكون المدن الغربية هي الهدف؟!

المشكلة في تصريح الرئيس بوش، هو إغراقه في عبارات لم تعد تعني شيئاً لأحد، فأي "حريّة وسلام و ديمقراطية" يتحدث عنها في ظلّ تصنيفه للمسلمين "بالفاشيين"، علماً أن الفاشية والنازية والعنصرية و غيرها من الدعوات و الحركات الدموية، بما في ذلك حركات الإرهاب، ولدت في أوربا وأمريكا ولم يتهم أي مسلم الغربيين "بالمسيحيين الفاشيين". في ظلّ شراكة إدارة بوش لإسرائيل في كل عدوان تقوم به على العرب والمسلمين، وفي ظلّ فشل بوش ووزيرة خارجيته وناطقه الرسمي بإدانة حتى و لو قتل طفل عربي واحد بريء، بينما يدين خطف جنديين إسرائيليين، أُسرا في عملية عسكرية، مراراً وتكراراً...،  هل نفهم من هذا أن الدم العربي لا يعني شيئاً لبوش و إدارته، أو أن حياة العربي لا تساوي لدى بوش والغربيين عموماً حياة إنسانية مقدسة لها الحق في الحياة الحرّة الكريمة؟ أياً يكن الجواب، فقد انفصل خطاب رئيس أقوى دولة في العالم عن الواقع في "الشرق الأوسط" الذي يتحدث عنه، وأصبحنا نقرأ ما يقول لنعيد كلّ عبارة وكلمة ونصحّح كلّ ما جاء فيها لفظاً ومضموناً وتوجهاً، وكأن الرئيس بوش يتحدث عن منطقة أخرى مجهولة لا نعرفها، لا عن الشرق الأوسط الذي نعيشه، أو كأنه لا علم له بأي معطيات حقيقية على أرض الواقع في الشرق الأوسط، بحيث تبدو عباراته متناقضة كلّ التناقض مع واقع الحال. ولم يعد مقبولاً أن يردّد رئيس دولة عظمى أمنياته للشعب هنا أن يعيش "بأمن وسلام وحريّة"، بينما تحمل أسراب الطائرات الأمريكية القنابل العنقودية والفوسفورية المحّرمة لهدم البيوت وقتل الأطفال النائمين والحالمين بغد أفضل، فلا يستيقظوا على صباح الغد المرتجى، فأي "أمن وأي سلام" يتحدث عنه الرئيس بوش ووزيرة خارجيته لمنطقتنا؟

أما وزيرة الخارجية رايس فقد رافعت بشأن القرار واستنتجت أن المهمة اليوم هي تحقيق "السلام العادل والشامل والدائم"، وهذا بالضبط ما أكدت عليه دوماً سورية، والعرب عموماً، منذ البداية لأن السلام كي يكون "دائماً" يجب أن يكون "عادلاً وشاملاً". وهناك قرارات لمجلس الأمن تنظم تحقيق هذا السلام المنشود، وخطوات كثيرة اتخذت، وقطعت شوطاً هاماً على هذا الطريق الذي تبحث عنه رايس "للسلام العادل والشامل والدائم"، فهل تصريح السيدة رايس هو تعبير عن إرادة سياسية تبشر بها اليوم للانطلاق في تلك الوجهة، أم أن هذا التصريح مجرد كلام من قبيل كلام بوش عن "الحرية والسلام والديمقراطية  ُيستخَدم لاستيعاب غضب هنا أو نقمة هناك، والعودة من جديد إلى تأييد كل ما يريد جنرالات إسرائيل المتعطشين لدماء الأطفال العرب وحقوقهم وأرضهم وحياتهم ومستقبل أجيالهم؟.

لقد برهنت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان أن الشعوب لا تسكت على ضيم و لا تتخلّى عن حقوق مهما طال الزمن، ولذلك فإن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في اغتصابها الأرض والحقوق سيطيل أمد الصراع ولن تكون النتيجة إلا لأصحاب الحق الذين سيبذلون الغالي والرخيص لاستعادة حقهم في أرضهم، سواء أطلقت عليهم إدارة بوش التسميات التي تشاء لردعهم عن ذلك أم لم تطلق. إن إطلاق تسمية "الإرهاب" على حركات المقاومة التحريرية لن يردع هذه الحركات من استكمال مهامها، وقد أصبحت اليوم التعاريف التي تطلقها واشنطن غير ذي بال لأنها تنطلق من مصدر واحد وهو التعريف الإسرائيلي للأمور. بل الأهم من ذلك أنه حتى الكتّاب الإسرائيليين والصحف الإسرائيلية (انظر مثلاً هآرتس 18 آب 2006)، تدعو إلى مراجعة الذات بعد الحرب على لبنان بينما ترفض الإدارة الأمريكية الالتزام بدستورها أو بالقوانين والمرجعيات الدولية أو تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة على هذا الصراع، فكيف تعتقد أن العرب والمتضررين جداً من هذا الانحياز الأمريكي للعدوان الإسرائيلي سيستقبلون خطاب بوش ومقالات رايس في الواشنطن بوست؟ لقد اكتشفت الإدارة الأمريكية أن مصادر معلوماتها كانت مخطئة بشأن العراق، وأنها كانت مخطئة بشأن فلسطين وبشأن لبنان، فهل حقاً كانت المعلومات مخطئة دون حساب أم أن هذا الخطأ يعتبر مبرراً لإسكات بعض الأصوات الغاضبة على سياسة الولايات المتحدة في العراق وفلسطين ولبنان، والتي لم تعاني يوماً من أي خطأ معلوماتي، بل توجهت منذ البداية للتوصل إلى النتائج التي نراها اليوم للسياسة الأمريكية-الإسرائيلية، ألا وهي تفتيت المنطقة إلى كيانات عرقية ودينية وإشعال الفتن والحروب الأهلية. إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تعبّر عن استهانة كبرى بعقول العرب والمسلمين وحقوقهم ومشاعرهم وكرامتهم، وسيكون لهذا نتائجه الخطيرة على المنطقة برمتها، بما فيها الطرف الذي تنحاز إليه الولايات المتحدة بشكل مطلق، ما لم تعيد الولايات المتحدة النظر بهذه السياسة المتطرفة التي لم تجلب للمنطقة غير العنف والحروب والمجازر، و ما لم تواجه الواقع ومفرزات هذا الواقع بعيداً عن المفاهيم المغلوطة والمشوّهة التي غرقت بها هذه الإدارة الأمريكية غرقاً لا سابقة له في التاريخ. لقد أعاد صمود الشعب اللبناني في وجه العدوان الشعور بالعزة والكرامة للعرب، والذي نالت منه السياسات الأمريكية في السنوات الأخيرة، فهل تستيقظ هذه الإدارة وتعترف للشعوب بمتطلبات "السلام والحرّية والديمقراطية"، بدلاً من الحديث عنها في تصريحاتهما، بينما يتم على أرض الواقع العمل الحثيث على تقويضها من خلال دعم العدوان وأنظمة الحروب والخنوع.

إنها فرصة تاريخية لصنع "السلام العادل والشامل والدائم" في منطقة تتوق شعوبها للحرية من الاحتلال الأجنبي، فهل ترتقي الإدارة الأمريكية هذه المرة إلى مستوى التحدي، أم تبقى منغلقة داخل قوقعة مفاهيم عنصرية وفاشية معادية للعرب، مما يعود بالضرر عليها وعلى شعوب المنطقة وعلى "الأمن والسلم و الديمقراطية" في الشرق الأوسط والعالم؟