قراءة متأنّية في مشهد معقّد

د. بثينة شعبان

14 آب 2006

لقد أصبح واضحاً للجميع اليوم بعد كلّ ما نشر عن أسباب هذا العدوان الإسرائيلي على لبنان أن لا علاقة له بأسر الجنديين الإسرائيليين، بل هي حرب خططت لها إسرائيل منذ عام 2004 وأطلعت عليها حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا وأجرت عليها التعديلات والمناورات (انظر على سبيل المثال لا الحصر، مقال جورج مونبيوت، جريدة الكارديان البريطانية، 8 آب 2006)، وقد فنّد الإعلام الغربي ذريعة الاستفزاز بطريقة لا تقبل الشك، ولكن الأمر الغريب، هو أن المعلومات القاطعة عن هذا العدوان وخططه والتحضيرات له، لم تجد طريقها إلى الإعلام العربي، الذي ظلّ جزء منه يردّد كالببغاء الاسطوانة القديمة بأنه "يتم استخدام لبنان في هذه الحرب"، وأن الثمن الذي يدفعه لبنان باهظ، غامزين بذلك إلى أن مقاومته، التي أنجزت نصراً عزيزاً عجزت عنه كل الجيوش العربية، تتحمل مسؤولية هذا الثمن. ولكن القراءة الدقيقة لما جرى في هذا الشهر من الحرب الإسرائيلية الوحشية على لبنان هو نسخة طبق الأصل عمّا ارتكبته إسرائيل من جرائم بحق الفلسطينيين عام 1948 والتي هي مستمرة ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل حتى اليوم في الضفة وغزة، وهو المنحى ذاته الذي ينحوه الاحتلال الأمريكي في العراق من تدمير للبنية التحتية وارتكاب المجازر الوحشية بحق المدنيين العزل وخاصة من النساء والأطفال وعدم احترام القواعد الدولية للحرب، بل و الاستهداف الوحشي والمتعمد للمدنيين. وأهمية هذه الحرب بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة تنضوي في الأمل الذي كان معقوداً عليها بأن تضرب آخر معقل للمقاومة وتسطّر اتفاقية تهدف إلى حماية حدود إسرائيل والأهم من ذلك، تقضي على فكرة وجذوة المقاومة فيصبح "الشرق الأوسط الجديد" الذي حلمت به رايس في طريقها إلى بيروت وروما، شرق أوسط إسرائيلي- أمريكي ينعم أهله بالديمقراطية التي حلّت إلى حدّ الآن في العراق وفلسطين ولبنان من تدمير همجي لهوية العرب وأمنهم وتاريخهم وحضارتهم. ولذلك أشاروا إلى هذه الحرب بأنها مسألة حياة أو موت، لأن القصد منها ردع أي عربي أو مسلم حتى من التفكير بمقاومة إسرائيل وجيشها الأسطوري المدعوم بالمال والسلاح من الولايات المتحدة.

وقد برهن موقف الولايات المتحدة وأوربا هذه المرة على وجه الخصوص، كما في تاريخها الحديث كلّه، من دعم للأنظمة العنصرية والديكتاتورية، دعماً مطلقاً لنظام أولمرت العنصري الذي لا يرى إمكانية استمراريته إلا بتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة تسود فيها الأنظمة المماثلة المتسمة بالعنصرية والعرقية أو الطائفية. فالشرق الأوسط الذي تريده إدارة بوش هو منطقة ذات دول متلونة بالعرق أو الدين أو الطائفة، ذات حكومات ضعيفة خانعة تقبل بالقواعد العسكرية وتقبل بها واشنطن مهما كانت فاسدة ودكتاتورية. ولذلك فإن الاستنتاج الأكيد الذي يجب أن يعرفه الجميع هو أن الدمار والخراب الذي أصاب لبنان والجرائم الوحشية التي ارتكبها أولمرت ضد شعب لبنان العظيم ليس بسبب مقاومة شعب يدافع عن أرضه، بل بسبب سياسة العدوان التي يتسم بها هذا النظام العنصري وحلفاؤه، والذين يرون في غطرسة القّوة أسلوباً وحيداً لقهر العرب.ومن هنا فإن جرائم الحرب التي ارتكبها عدو هذه الأمة منذ عام 1948 يجب أن يعاقب عليها وفق قوانين وقرارات الشرعية الدولية وآخرها قرار محكمة لاهاي والذي تبنته الجمعية العامة ضد جدار الفصل العنصري وضرورة هدمه والتعويض على الفلسطينيين. فمن الذي استفّز إسرائيل لتقوم ببناء جدار الفصل العنصري وترتكب جرائم مروعة بحق الشعب الفلسطيني؟ ومن الذي استفّز إسرائيل لترتكب جريمة بيئية على الساحل اللبناني والسوري سيتسبب بانتشار السرطان والأوبئة؟ إنه العقل الإجرامي الصهيوني الذي يشّن حروب إبادة ضد العرب لاحتلال بلدانهم وبناء امبراطوريته على أنقاض حضارتهم. وتجدر الإشارة أن قتل الهنود الحمر ترافق مع بثّ الأوبئة بهم و تدمير طريق معيشتهم وأرضهم وحيواناتهم وأسلوب عيشهم.

ولكن، وعلى عكس حسابات إدارة أولمرت وبوش، وللمرة الأولى في تاريخ العرب الحديث، يقاوم بلد عربي عبر حركة مقاومة وتحريرية مسلحة، آلة الدمار الإسرائيلية والأمريكية و لا يُصاب بالوجل من انعدام الغطاء الجوي أو من حقيقة أن الولايات المتحدة أصبحت شريكاً في الحرب عليه، وما إلى هنالك من أعذار تم تسويقها لتبرير الهزائم أو الاستسلام للإرادة الإسرائيلية دون حرب. وكما أن وقع الصدمة على الإسرائيليين وأسيادهم في واشنطن من بسالة هذه المقاومة اللبنانية كان كبيراً، فقد استفاق الواقع العربي الشعبي، قبل الرسمي، بهذه الصدمة الإيجابية مأخوذاً بهذا الموقف الشجاع للمقاومة ومدركاً أن الذّل والهوان ليس قدراً محتوماً على العرب والمسلمين، كما روج له البعض الذين يكرّرون بصيغ مختلفة "أن الاستسلام هو الخيار الوحيد، وإلا فإن الطوفان قادم". بل إن أداء المقاومة وصمودها، ليس العسكري فقط، وإنما الثقافي والأخلاقي والقيمي والسياسي والإعلامي، قد أيقظ العرب والمسلمين إلى حقيقة هامة وهي أن الاستسلام يعني إبادة الهوية والكرامة والحقوق، وأن مقارعة العدوان الغاشم والخطير بالعمل والعلم والتنظيم والشفافية والأخلاق والصدق هو الضمانة الوحيدة لاستمرار العيش بشرف و عزة وكرامة. في وجه محاولات كسر الإرادة وتقديم الفتات شمخت المقاومة بمرجعية الحق والكرامة ورفض الخنوع والإذلال واختيار شرف الشهادة على حياة الذّل والهوان فكشفت نيران مقاومتها مشكلة البعض الخجلين من عروبتهم وإسلامهم والمؤمنين بتفّوق الآخر عليهم وحتمية الاستسلام له.

ولكنّ العدو وأسياده أُصيب بالارتباك، حيث يتذوق للمرة الأولى طعم الهزيمة، وبدأ وحلفاؤه الإعداد لإيجاد مخرج لهذه الحرب بعد أن ارتكبوا كلّ هذه المجازر عازفين على اسطوانة 11 أيلول التي أصبحت قديمة و غير مقنعة، فتفتقت أذهانهم عن محاولة تجديدها باختراع قصة خطف طائرات لإحادة الأنظار عما يرتكب في لبنان من جرائم حرب وتبريرها للغرب بالخطر الداهم من هؤلاء العرب المسلمين، حيث أصبح وصول راكب ذي سحنة سمراء إلى حمام الدرجة الأولى في الطائرة عملاً إرهابياً، ولو كان الراكب ذو سحنة بيضاء وعيون زرقاء لما تنبهت المضيفة إلى أنه ليس من ركاب الدرجة الأولى أصلاً! وكان الرئيس بوش في مزرعته بانتظار"مؤامرة" خطف الطائرات ليسارع الحديث عن "الفاشيين الإسلاميين" رغم أنه لم يحدث شيء ولم ترتكب جريمة، وهو الذي لم ينبس ببنت شفة لإدانة القتل المرعب لأطفال العرب والمسلمين في لبنان وفلسطين ولو مرة واحدة. والغرض واضح ألا وهو تذكير شعوبهم بعملية إرهابية يتهمون بها أناساً من ذات الدين والانتماء لهؤلاء الذين تقتلهم القنابل والطائرات الأمريكية الصنع في لبنان أو فلسطين، فالكلّ يدينون بدين الإسلام. وأستغرب كيف لا ينتبه بعض المسلمين، وهم يحاولون إقناع أنفسهم بصداقات مع واشنطن، أنهم مشمولون بتسمية "الفاشية الإسلامية"، فأصحاب البيت الأبيض يجاهرون بعداوتهم المطلقة لكلّ من يقول "لا إله إلا الله".

وفي الوقت الذي يتردد بعض العرب و المسلمين في إظهار الدعم الحقيقي للمقاومة، بينما يخشاها البعض الآخر ويخشى انتصاراتها، ينبري شرفاء في العالم من هوغو شافيز إلى فرجينيا تيلي في جنوب أفريقيا إلى ماهاتير محمد في ماليزيا وايلان بابه في حيفا، وآخرون كثر، يحذّرون من خطر نظام أولمرت العنصري ويدعون دول العالم إلى مقاطعة إسرائيل، تماماً كما قاطع العرب كيان جنوب أفريقيا العنصري. فكما شُكلت جبهة التحرير الجزائرية والفيت كنغ وحركة مانديلا مرجعية لكلّ طالب حرية في العالم فإنّ المقاومة اللبنانية تشكلّ اليوم مرجعية لكل الأحرار. ومهما كانت النتائج فقد كسرت هذه المقاومة عقدة الخوف وبرهنت أن الإيمان بالحق والعدالة والكرامة يشدّ أزر الضعيف للوقوف في وجه العدو المستكبر. إن صياغة بوش لعبارته "الفاشيون الإسلاميون" ليست وليدة الصدفة أو الانفعال بل هي معدة بإحكام لوصف المسلمين كلّهم لدى العالم، وخاصة الأوربيين الذين يخرجون إلى الشوارع منددين بجرائم الولايات المتحدة في العراق وجرائم الحرب التي يرتكبها جنرالات أولمرت ضدّ الأطفال والنساء في فلسطين ولبنان. كان خطأ بعض الرسميين العرب أن يقبلوا بوصم المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب وخطأهم أكبر اليوم إن خضعوا للضغوط المماثلة، فمن يجرؤ حتى اليوم على اتهام المقاومة الفرنسية للاحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية بالإرهاب؟ إن قصة خطف الطائرات و غيرها التي يخرج بها علينا الإعلام الغربي بين الحين والآخر ما هي إلا محاولات لإحياء أحداث 11 أيلول في أذهان الغرب و تحريض شارعهم على العرب، خاصة عندما تشتد جرائم الحرب والمجازر والتعذيب الذي يرتكبه قادتهم ضدّ أطفالنا ومدننا.

وعلى البعض منّا أن يتوقف عن التغافل عن الحقائق، وترديد ذرائع ومقولات صاغها العدو وخاصة لماذا تشن هذه الحرب  ومن يخوضها. فانتصار المقاومة على العدو ليس انتصاراً عسكرياً بل هو سياسي وأخلاقي وإنساني، لذلك نرى أن الشعوب تحتضنه في كلّ بقاع الأرض، وعلى العرب والمسلمين جميعاً تعزيزه من خلال تثبيت الأدب المقاوم والفنّ المقاوم والشعر المقاوم واللغة المقاومة والتصرف الأخلاقي والشفاف المقاوم الذي يجب أن نعمل جميعاً على غرسه في نفوس أجيالنا المستقبلية كي لا يذوقوا طعم الذّل والهوان الذي استسهل البعض دسّه للعرب والمسلمين بذرائع ومبررات مختلفة قبل الثاني عشر من تموز حيث سطرّت المقاومة لنا جميعاً تاريخاً باسلاً وعزيزاً ومشرّفاً علينا أن نكون جديرين به وبالتضحيات التي قدّمت من أجل كتابته