حرب على لبنان، حرب على الإنسان!

د.بثينة شعبان

 7 آب 2006

للحرب التي تشنّها إسرائيل على البشر والحجر في لبنان وجهان: وجه ضدّ لبنان ووجه آخر ضدّ الإنسان حيثما كان. أما الحرب ضدّ لبنان فتطال أطفاله الآمنين ونساءه الباحثات عن العيش الآمن الكريم مع أسرهنّ ورجاله الباحثين في المعامل والبساتين عن لقمة العيش، كما تطال طرقه وجسوره ومساجده وكنائسه ورياض الأطفال والمدارس ومتاحفه ومشافيه وأبنيته الجميلة وأشجاره الخضراء. الحرب على لبنان هي جرائم حرب وحشية ترتكب بحقّ المدنيين العزّل، فتحوّل الحياة الجميلة التي وهبنا الله إياها إلى أشلاء متناثرة من أيدٍ وأرجلٍ ورؤوس تظنّ وأنت تراها أنّ وحوشاً ضارية قد فتكت بها. و ما أولمرت وأركان جيشه وطيّاريه إلا هكذا وحوش تحركهم الغرائز الهمجية. والوجه الآخر لهذه الحرب هو الحرب على الإنسان، و على منظومة أخلاقه وقيمه وأحاسيسه المتراكمة عبر قرون التحضّر والتي تجسدت في الشرائع الدينية والقوانين الدولية. فماذا يشعر أيّ إنسان وهو يرى أطفالاً رضّع تغتالهم أعقد التقنيات الأمريكية الحربية في المهد وتقضي عليهم دون أن تتاح لهم فرصة الحياة التي وهبها الله إياهم؟ تُرى كيف يشعر بوش ورايس وهما يعلمان بمقتل أكثر من 960 طفل وامرأة لبنانية بقنابلهم وصواريخهم الذكية وبقرارهم منع وقف إطلاق النار؟ وماذا يشعر كلّ إنسان له ضمير حيّ في أيّ مكان في العالم وهو يرى ألعاب الأطفال مبعثرة في كلّ مكان وصناديق التفاح محترقة مع أشلاء عمّال وعاملات جاؤوا لجمعها ليكسبوا رزقهم ويعودوا إلى عوائلهم آمنين؟ وبعد كلّ هذا وذاك من التدمير وجرائم الحرب الموثّقة بالصور والخطط والتصريحات الإسرائيلية الرسمية، يفشل مجلس الأمن، كما فشلت قبله عصبة الأمم، في ردع الغطرسة الهمجية، بل حتى في إدانة هذه الجرائم ضدّ الإنسانية. وحين يأسف الأمين العام للأمم المتحدة لعدم إدانة المجلس لهذه المجازر البشعة، تتصدى له وزيرة الخارجية الأمريكية، وتوجّه له اللوم على أسفه، مما يعني أنها توافق على كلّ ما تقوم به إسرائيل من مجازر وجرائم، وتصرّح أن إسرائيل ستستمرّ في الحرب أياماً أخرى وهي تعرف أن إسرائيل سترتكب خلالها مجازر جديدة، وتدمّر ما بقي من المنازل والجسور والمنشآت، وتغتال من تبقّى من أطفال لبنان! والأبشع من هذه الجرائم ومرتكبيها هو النفاق الغربيّ حين ينبري إعلامه لتبرير هذه الجرائم المرتكبة ضدّ المدنيين. وللذين يبررون ما ترتكبه إسرائيل اليوم من جرائم، نذكرهم بما تقوم به إسرائيل في فلسطين منذ سنوات، فحين قتلت الطفل محمد الدرّة والطفلة إيمان الهمص وأهل الطفلة هدى غالية على شاطئ غزّة، لم تكن هناك قضية جنود مخطوفين في غزّة أو لبنان!    

       إن أحد أهداف المجازر الإسرائيلية في لبنان ونشر الدمار في مدنه وقراه وبناه التحتية هو إثارة الرأي العام ضدّ المقاومة اللبنانية، حيث تشيع الدوائر الصهيونية وعملائها المنتشرين في أجهزة الإعلام وأروقة السياسة المحلية والدولية أنّ حزب الله هو المسؤول عن ذلك، ولكنّ حقيقة الأمر أن تدمير بنت جبيل وصور لا يختلف عن جرائم الحرب الإسرائيلية منذ 1948 وما قبلها مثل تدمير صفد والصفصافة ودير ياسين وقبيّة، حين كانت القوات الإسرائيلية تطلب من السكان، وفي غالب الأحيان لم تطلب منهم، أن يغادروا بيوتهم قبل أن تدمر بيوتهم وتقتل نساءهم و أطفالهم. أي أنّ سياسة ارتكاب جرائم الحرب والتدمير الإسرائيلية هي ذاتها التي استخدمت في فلسطين والتي تستخدم اليوم والتي استخدمت سابقاً في لبنان وللأهداف ذاتها، وهي احتلال الأرض وإخماد آخر صوت عربي يقف بعنفوان لمقاومته، ويعمل على إعادة الاعتبار للكرامة العربية وذلك قبل عقود من ظهور أيّ مقاومة. والسؤال هو كيف يصمت ضمير العالم "الحرّ" و "المتحضّر" و "الديمقراطي" عن تدمير المنازل بالمئات على رؤوس الأطفال والنساء، وعلى مشاهد الجرائم الهمجية البشعة؟  لقد بدأت التلفزيونات الغربية تقلّص من فترة التغطية لأخبار لبنان، تماماً كما فعلت بالنسبة لفلسطين والعراق، وإسرائيل تراهن على ذلك للمضيّ في جرائمها واحتلالها للأرض العربية.

       في ضوء هذه الحرب الهمجيّة المستمرة منذ عقود على فلسطين ولبنان، يمكن لنا إعادة قراءة الأحداث الدولية للسنوات الأخيرة وخاصّة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول كي نتمكن من فهم السياسات العنصرية التي حرّضت ضدّ العرب والمسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا، واستصدرت القوانين ضدّهم ووضعتهم جميعاً في دائرة "المشتبه بهم"، وكوّنت مفهوماً في أذهان العالم الغربي أن الحرب ضدّ الإرهاب تعني حصراً حرباً ضدّ العرب والإسلام. فقد كانت تلك السنوات الخمس الماضية توطئة مدروسة كي تتم استباحة فلسطين والعراق ولبنان، ولن يتوقف الأمر هنا، لأن المخطط يستهدف الأرض والحضارة والثقافة العربية وتحويل العرب جميعاً إما إلى عملاء مخترقين وإما إلى خدم مطيعين. ولذلك فإذا كانت رايس تريد حلاً نهائياً، فعلاً، فالحلّ يكمن في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، فإنهاء الاحتلال يعني حكماً إنهاء دور المقاومة. وأحد أهداف هذه الحرب هو تدجين العالم أيضاً وضمان صمته، حين يتعلّق الأمر بالجرائم الإسرائيلية، حيث أتذكر الجدل الذي دار حتى داخل "إسرائيل" ذاتها حول سياسة هدم المنازل باعتبارها جريمة عقاب جماعي تحرّمها اتفاقيات جنيف الأربع، وبعد أن بدأت حكومات إسرائيل المتعاقبة بتهديم المنازل دون رادع دولي أخذت تهدّم البنايات الطابقيّة وتترك سكانها لاجئين في ديارهم، وهاهو أولمرت اليوم يأمر جيشه وطيرانه بتهديم ما بناه اللبنانيون خلال عقود، ولكن هذه المرّة بدعم أمريكي معلن وتواطؤ وحشي من الديمقراطيات الغربية و"إعلامها الحرّ" و "بعجزٍ رسمي عربي مخز"، وتتركهم نازحين ومهجرين ولاجئين دون أن تواجه الأسرة الدولية، ممثلة بمجلس الأمن، كلّ ذلك حتى بمجرّد إدانة. لقد ارتكب أولمرت في لبنان أبشع مما ارتكبه ميلوسوفيتش من قتل للمدنيين وتدمير للجسور والطرق والبنى التحتية والمشافي والكنائس والمتاحف والمدن، ومع ذلك لا ترتفع الأصوات في أوروبا لإدانته كمجرم حرب، ويتساءل المرء ألهذا القدر يهون دم العرب وحياة أطفالهم على العالم "الحرّ"، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟

       الجديد في هذه الحرب أيضاً هو أنّ الولايات المتحدة توكل إسرائيل بخوضها وترسل لها القنابل، وتتحول كونداليزا رايس إلى ناطق رسمي لتبرير الجرائم الإسرائيلية، وتعلّق على برنامج بل أوريلي أنّ "الإسرائيليين يتمكنون من الحديث مع الإدارة الأمريكية متى شاؤوا"، وكأنّ هذا خبراً جديداً، كما تعلّق أنّ الإسرائيليين عبّروا لها عن استعدادهم لقبول "شريك في لبنان" ولكنها لم تفصح بأيّة شروط، ولا شكّ أن الشريك الوحيد الذي يقبله الإسرائيليون هو "الشريك الميت"، كما نعرف من التجربة الفلسطينية القريبة، كما أنّ العربي الوحيد الجيد بالنسبة لهم، كما قال مجرموهم مراراً، هو "العربي الميت" أو المدفون تحت ركام منزله. أمّا رئيس وزراء بريطانيا فيقول أنه "أُسيء فهمه حول الشرق الأوسط"، والواقع هو أنه أساء فهم الشرق الأوسط منذ أن دعم الحرب على العراق وأصبح مسؤولاً مسؤولية أخلاقية مع الإدارة الأمريكية عن كلّ ما أصاب الشعب العراقي من خراب وتدمير.

       والجديد في هذه الحرب أنّ القوى الغربية تتفاوض حول أثمان المجازر التي ترتكب قبل أن تفصح عن رأي بها، وهي ليست على عجلة من أمرها، فلم يذق أيّ منهم طعم ما ترتكبه إسرائيل بحقّ لبنان، بل تجاهلوا ما وضعه أجدادهم الذين ذاقوا ويلات الحرب من اتفاقيات لمنع وقوع جرائم الحرب والإبادة التي ارتكبت في أوروبا، كما تجاهلوا القانون الدولي الإنساني الذي وُضعَ ليضمن الحفاظ على حياة الإنسان وعيشه الكريم، أي أنّ الجديد في هذه الحرب هو الانهيار الفعلي للمنظومة القانونية والأخلاقية التي وضعتها البشرية بعد حربين عالميتين، وإلغاء دور الأمم المتحدة وتفرّد عصابة من مصنّعي الأسلحة و تجار الحروب بحياة الناس في العراق وفلسطين ولبنان، وتحويل حياة البشر الأبرياء إلى غذاء لنيران الأسلحة الفتّاكة ووسيلة لتشغيل معامل الأسلحة وإثراء أصحابها من دماء الأطفال العرب ونسائهم. من هنا نستخلص أنّ مسؤولية وقف هذه الحرب المجرمة هي مسؤولية كلّ "الأحرار" و"المتحضّرين" و"الديمقراطيين" في العالم، وكلّ المؤمنين فعلاً بحياة الإنسان وقدسيتها وسمّوها على كلّ شيء آخر، وإن يكن المنطق هو أنّ العرب يجب أن يكونوا أول المعنيين بوقف هذه الحرب واستخدام كلّ ما لديهم من وزن دولي لإيقافها! ولكنّ الواقع هو أنّ هوغو شافيز هو أول من تحرك لسحب سفير بلاده من كيان يرتكب جرائم الحرب وهذا أقل وأول ما كان يجب أن يفعله العرب، وقد حضّ بذلك دول العالم جميعاً على مقاطعة إسرائيل كأسلوب رادعٍ لها في غياب أي نظام دولي قادر على ردعها، بعد أن تحول مجلس الأمن، بفضل وجود جون بولتن، إلى مجرّد شاهد زور على جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية التي يرتكبها أولمرت في لبنان. ولنتذكر جميعاً أنّ ألمانيا النازية قد بدأت جرائمها بذريعة "مكافحة الإرهاب" إلى أن شكلت خطراً رهيباً على العالم بأسره. إنّ ما ترتكبه إسرائيل في فلسطين ولبنان هو بداية خطر على الإنسانية جمعاء ويتوجّب على العالم الحرّ والمتحضّر الاضطلاع بمسؤوليته للوقوف في وجه هذا الخطر وإيقافه لأنه ليس خطراً على لبنان وحسب بل خطراً على الإنسان والإنسانية كما نريد لها أن تكون