الحرب بالوكالة

د. بثينة شعبان

24 تموز 2006

     هناك حرب بالوكالة في الشرق الأوسط، ولكنه ليس حزب الله الذي يخوض حرباً بالوكالة عن سورية وإيران كما حاول البعض أن يوهموا الجماهير العربية، ولكنها إسرائيل هي التي تخوض حرباً بالوكالة عن الولايات المتحدة وبريطانيا والغرب برمته ضد العرب والمسلمين على التراب اللبناني. وقد أصبحت هذه الوكالة واضحة المعالم بعد أن فهمنا في اليومين الأخيرين أسباب الصمت الدولي عن التدمير الإرهابي والحاقد الذي تقوم به الهمجية العسكرية الإسرائيلية ضد الأرض والبشر والحجر في لبنان. فكانت أول الإشارات الصادرة عن الغرب منذ أيام هي تحرّك الدول الغربية دفعة واحدة لإجلاء رعاياها عن لبنان، فأرسلت واشنطن ولندن وباريس السفن الحربية واستأجرت كندا واستراليا وغيرها سفناً من المنطقة لاستعجال إجلاء رعاياها بعد أن اتخذت قراراً بإعطاء إسرائيل الفرصة لارتكاب ما ترغب به من جرائم حرب في سبيل القضاء على المقاومة قضاءً مبرماً بحيث لا ينغص عيش الاحتلال الإسرائيلي شيء من العالمين العربي أو الإسلامي. واتخذت إسرائيل قراراً متزامناً مع قرار الغرب بإجلاء رعاياهم وهو ألا تسمح للإعلاميين وشبكات التلفزة بتصوير آثار صواريخ حزب الله على منشآت و مستعمرات العدو في شمال فلسطين لكي تضمن صبراً أطول لدى المستوطنين لاستكمال مهمتها في تدمير لبنان و القضاء على المقاومة وكي لا يحدث تململ في "الشارع الإسرائيلي" أو ترتفع أصوات حرّة في عواصم أخرى من العالم فتشتت ذهن إسرائيل عن الهدف المحدد ألا وهو تدمير لبنان وتلقين العرب درساً بأن يقبلوا أي إهانة موجهة لهم من جيش احتلال بغيض وأن يتخلوا عن الدفاع عن كرامتهم وأرضهم وهويتهم ومقدساتهم لأن هذه الحقبة هي حقبة استعمارهم من جديد أو استكمال الاستعمار الذي لم يتحرر البعض منه.

ولتغطية الحرب بالوكالة هذه انبرى جون بولتون، خادم إسرائيل المطيع، ليقدّم التفسير الدبلوماسي الذي يبرّر قتل الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ في لبنان ويستنكر قتل أي شخص في إسرائيل، فأطلق معياره العنصري الجديد ألا وهو "أنه لا تجوز المساواة بين الضحايا من المدنيين اللبنانيين و الاسرائيليين، واصفاً كلّ جرائم الحرب الإرهابية التي تقوم بها إسرائيل ضد الشعب اللبناني الأعزل "بالغارات" بينما وصف ردود صواريخ المقاومة على هذه الجرائم "بالأعمال الإرهابية الخبيثة". وأضاف بولتون: "إن استهداف مدنيين أبرياء عمداً والسعي إلى قتلهم وإطلاق صواريخ واستعمال متفجرات أو اللجوء إلى الخطف لا توضع في المستوى نفسه مع النتائج المحزنة والمؤسفة جداً التي تترتب عن الدفاع عن النفس". وقد اتضح مؤخراً أن إسرائيل لا تدافع عن نفسها وإنما عن فكرة وسيطرة وانتشار الاحتلال في المستقبل إلى أبعد مما هو عليه اليوم وضمان الاستسلام الأخلاقي والسياسي والفكري من العرب والمسلمين لهذا الكيان العنصري المجرم، ومن هذا المنطلق أيضاً. ولهذا حين أتت بعثة الأمم المتحدة إلى الكيان الصهيوني وقالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية أن هناك إمكانية التفكير بقوة متعددة الجنسيات أجاب أولمرت رئيس وزراء العدو "هذا عنوان جيد في الجرائد ولكن لا يوجد شيء خلفه". و لا يمكن للسيد كوفي عنان أن يغرّد خارج السرب خاصة بعد أن اكتشفنا كيف يتحدث الرئيس بوش عن إبلاغه بمن يجب عليه الاتصال وكأنه موظف في البيت الأبيض، فأتى تقريره عن العنف بالشرق الأوسط في 20 تموز يصّب في خانة تبرير كلّ الجرائم التي تقوم بها إسرائيل تحت بند "حق الدفاع عن النفس تحت الفقرة 51 في ميثاق الأمم المتحدة" ولم يجد شيئاً في ميثاق الأمم المتحدة أو قرارات مجلس الأمن يدين به احتلال إسرائيل لأراضي الغير بالقوة رغم القرارات 194 و242 و338 وغيرها كثير، كما لم يجد شيئاً يدين من خلاله تدمير إسرائيل لبلد بكامله وتهجير نصف سكانه وقتل الأبرياء وتدمير البيوت فوق رؤوسهم.

ولتكتمل الصورة ولتثمر حرب الهمجية الإسرائيلية التي ساهم في سقايتها على الأقل كل من السفيرين جيفري وبرنار، أخذت العديد من الجهات في إسرائيل والغرب تتحدث عن مصلحة بعض الأطراف اللبنانية المتلاقية مع المصلحة الإسرائيلية في محاولة التخلص من المقاومة والعيش بعد ذلك بسلام في ظلّ ذل الاحتلال الذي يدفع ثمنه اليوم الشعب الفلسطيني والشعب العراقي أمنهما وسلامة أجيالهم وكرامة أبنائهم وبناتهم. وانتقل الحقد العنصري المستهدف للهوية والتراث والتاريخ والحضارة من بابل إلى بعلبك ليدمّر آثارها العريقة كما دمّر الاحتلال الأمريكي بابل ونهب آثاره. واستكمل هذا السيناريو تيري رود لارسن، والذي من الأفضل تسميته مندوب إسرائيل بدلاً من تسميته مندوب الأمين العام للأمم المتحدة، حيث قال: "إسرائيل كما المجتمع الدولي ومجلس الأمن والدول الثمانية لن تقبل بعملية تبادل. إسرائيل ليست مهتمة بعملية التبادل ونحن لاحظنا هذا وسنعمل على هذا الأساس". وفي اجتماع مجلس الأمن ذاته يوم الجمعة 21/7/2006 اقتبس سفير إسرائيل اقتباسين من تصريحات أطراف لبنانية توجه إصبع الاتهام فيما يجري في لبنان إلى سورية ولبنان، كما دعا الرئيس بوش إلى "عدم إضعاف حكومة السنيورة"، واعترف بعض المحللين أنه "ليس من السهل على الولايات المتحدة أن تدعم حكومة لبنان وإسرائيل في الوقت نفسه". كما تنادى بعض المحللين بأن هذه هي فرصة إسرائيل والغرب التاريخية للتخلص من المسلمين والمتطرفين منهم مرة وإلى الأبد.

هذا إذاً هو سرّ التلكؤ الدولي في التعليق على القنابل العنقودية المحرّمة دولياً والتي تلقيها إسرائيل على الأطفال والنساء في لبنان وهذا هو سرّ إصرار الولايات المتحدة على أن إطلاق النار يمكن أن يحدث في إطار سياسي، وهذا هو سّر تصريح كونداليزا رايس بعد تسعة أيام من ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب بشعة في لبنان، أنها "ستزور المنطقة من أجل الحسم وتغيير الواقع وأنها تدعو إلى إقامة شرق أوسط جديد تسوّى فيه جميع المشاكل على أساس الحل السياسي". وإذا كان تسمية الولايات المتحدة للبعض في المنطقة بأنهم "لاعبون أساسيون" لكي يوافقوا مع رايس و مع إسرائيل على تدمير لبنان و إبادة حزب الله فإن هذا لن يعفيهم في المستقبل من المصير ذاته لأنهم في نظر الغرب عرب ومسلمون حتى وإن تعاونوا مع الغرب على إضعاف و تدمير بلد عربي وشعبه.

لقد كلّف الغرب كلّه إسرائيل بتوجيه ضربة قاصمة إلى فكر المقاومة و اعتباره إرهاباً، و إلى بنية المقاومة للاحتلال و الغطرسة والهيمنة الأجنبية على العرب والتي تعمد إلى قتلهم وإذلالهم وتهجيرهم وزجّهم في السجون. وقد تبيّن من خلال هذه المعركة التي تخوضها المقاومة أن الاحتلال لا يبسط سلطته على فلسطين والعراق وحسب، ولكن سلطته الأدهى والأخطر هي تلك المستورة في بعض النفوس، حيث تمّ احتلال الإرادة والعزيمة، ووهن البعض وجبن عن اتخاذ موقف لصالح الذات المستهدفة بالإبادة. ومن هنا تبدو المعركة في لبنان أيضاً معركة استقلال ليس للبنان وحسب، و إنما لجماهير العرب التي يجب عليها أن تخوض معركة الاستقلال الحقيقي اليوم من المحيط إلى الخليج لتثبت للأطراف الغربية التي أوكلت لإسرائيل هذه الحرب ضدّ العرب والإسلام أن العرب والمسلمين يستحقون العيش بكرامة على أرضهم، وأن جرائم إسرائيل الإرهابية ودعم القوى العظمى لها لا يمكن أن تردعهم عن الغضب من أجل حقوقهم وكرامتهم كي لا يتجرأ أحد بعد اليوم أن يستبيح أرضهم وديارهم ومقدساتهم وأن يقتل نساءهم وأطفالهم ويشرّد أرحامهم تحت مرأى ومسمع العالم كلّه. فإذا لم يغضب العرب والمسلمون اليوم، متى يغضبون؟!  هذا هو ثالث بلد عربي يستباح ويُدمّر، والخطة كما قالت رايس: هي "شرق أوسط جديد" لا كرامة للعرب فيه ولا حقّ لهم ولا صوت لهم، فهل أنتم قابلون؟!  وإذا لم يكن كذلك فلماذا الصمت والانتظار؟ أين هي محبة أمريكا و فرنسا للبنان؟  وماذا فعل بوش و غيره في هذه المحنة سوى إطلاق العنان لإسرائيل لارتكاب المزيد من القتل و الدمار، وهذا هو موقفهم، بوش و حلفاؤه،  من أي بلد عربي آخر، ولا يمكن لأحد حتى وإن أراد التنصل من عروبته وإسلامه فالتهمة باقية عليه، ولن يعتبر لاعباً أساسياً في المنطقة إلا إذا ساند المشروع الصهيوني الذي ينقله سولانا أو لارسن أو رايس. هدف العملية السياسية الأعرض هي إنهاء الوجود العربي في المنطقة وتحويل العرب في المنطقة إلى لاجئين ومهجّرين أو سكاناً من الدرجة الثانية في المنطقة، ولهذا فإن ما يجري في المنطقة يترتب عليه أن يكون العرب هنا فعلاً أو لا يكونوا