الأسرة الإنسانية الواحدة: الحجُّ بداية
د. بثينة شعبان
درج الحديث في السنوات الأخيرة عن "الأسرة الدولية" و متطلبات إرضاء هذه "الأسرة" و تقييماتها لتصرّفات البلدان و مكانة هذه البلدان في سلـّم درجات حسن السلوك لديها، دون أن تعتمد الدرجة في معظم الأحايين على التقييم نفسه، أو دون أن يكون التقييم مُرتبطاً بأسس سليمة موحّدة و موضوعيّة و مُنصِفة للجميع. حتى أنّ عبارة "الأسرة الدولية" أصبحت في أيامنا هذه تعني، في غالب الأحيان، رغبات دولة كبرى، أو اثنتين، أو مجموعة منها على الأكثر، حيثُ يضعُ زعماؤها أنفسهم قيّمين على سياسات و طموحات الدول "الصغرى" و أخذوا يحسبون بميزان مصالحهم و قيمهم مكانة و سلوك الدول الأخرى ثم يضعون الدرجات فهذه دول مارقة، و تلك شريرة، و أخرى مُعاقَبَة، و الأخرى مُحاصَرَة و يعمّمون النتائج على بقية دول العالم لتقوم بتبنيها و إلا تلفظهم "الأسرة الدولية". و الذي ساعدهم في ذلك استكبارهم الناجم من القوّتين العسكرية و الاقتصادية العاتيّـة التي يكلـّف الوقوف أمامها ثمناً باهظاً من الدمار و القتل و الاحتلال و الحصار.
و البديل لهذا العوج في مفهوم "الأسرة الدولية" الذي تحوّل إلى "نادي الدول العظمى" هو مفهوم "الأسرة الإنسانية" الذي يتجسّد في المفهوم الإسلامي للحجّ إلى الديار المقدّسة بقوّة الإيمان و جاذبيته اللتان لا تُـقاومان حيثُ يمثـّل موسم الحجّ مدرسة لنشر قيم المساواة في الكرامة و المكانة الإنسانيتين، و ربما يمنح مفهوم الحجّ إمكانية تصحيح لمفهوم "الأسرة الدولية" السائد و المتسم بالعنف و الغطرسة، مع أنّ هذا الموسم الاستثنائي لم ينل من أجهزة الإعلام العالمية سوى تغطية خاطفة لصورة أناس يمارسون المناسك الشرعية لدين محدّد أو لحوادث لوجستية تقع فتتصدّى لها نشرات الأخبار دون التوقف عند هذه الظاهرة العملاقة المستمرّة منذُ أكثر من ألف و أربعمئة عام و التي تـُـقدّم بعضاً من الأجوبة التي تبحث عنها عقول و قلوب البشر في كلّ مكان.
ففي هذا العام، كما في كلّ عام، اتجه ملايين المسلمين من كافة الأعراق و الأمصار و الأمم إلى مكـّة المكرّمة لأداء فريضة الحجّ و التي هي أحد أركان الإسلام، فيما يرنو ملايين آخرون بقلوبهم شوقاً إلى ديار الرسول (ص)، و اتجهوا جميعاً إلى عرفة مُحرِمِين يرتدون قطع القماش البيضاء التي لم يخطها خياط و لم يتدخل بها تزيين، و بذلك تزول الفروقات بين الفقير و الغنيّ و بين الرفيع و المسكين و بين الأبيض و الملـّون و ليتساوى الجميع في الكرامة و الممارسة الإنسانية بغضّ النظر عن الموقع و الجنس و اللغة و العرق و القومية، كما أراد الله لهم أن يكونوا مُتعارفين متساويين، و ليكون الاعتبار الوحيد الذي يُميّز بينهم هو طاعة الله الواحد الأحد و تقواه و ذلك تطبيقاً لقوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". كما يُرافق الإحرام التوقـّـف النهائي عن حاجات الجسد و تكريس الوقت و العقل و القلب للروح و صلتها بالخالق و بما أرسل للبشرية من رسل و رسالات تعمل على إتمام مكارم الأخلاق عند البشر تجسيداً لأرفع صفة سبغها الله عزّ وجلّ على نبيّه محمد (ص) حين وصفه "و إنك لعلى خـُلقٍ عظيم". و ربما كانت مناسك الحجّ هي الوحيدة التي تُحقق المساواة الحقيقية في الإنسانية بين جميع البشر من جميع الأعراق و الأمصار و بين النساء و الرجال أيضاً حيثُ يطوف المسلمون و المسلمات و يسعون و يؤدون مناسك الحجّ بقلوب متضرّعة إلى الله وحده مرددين لبعضهم البعض التحيّة المشتركة "السلام عليكم و رحمة الله" و في معظم لغات الأرض و ذلك للقيمة العالية التي أولاها الإسلام للسلام على الأرض باعتباره جوهر الحياة البشرية و أساس سعادتها و ازدهارها. و كم تختلف حقيقة ما يدعو إليه الإسلام عن الصورة المشوّهة و المجتزأة التي يحاول البعض الترويج لها يومياً في وسائل الإعلام العالمية بهدف النيل من الدين الحنيف و أتباعه، و كم يختلف التعامل مع المرأة في هذه المناسك المقدّسة عن أيّ شيء مُغرِض يروّج عن انتقاص مكانة المرأة في الإسلام حيثُ لا تشهد نساء الأرض في أي مكان من الدنيا عملاً مشتركاً مع الرجال أشدُّ كثافة و حميمية و إنسانية و بعداً عن التمييز بين الجنسين من مناسك الطواف و السعي و الرجم و الوقوف على عرفة حيثُ تقف ملايين النساء مع الرجال وقفة واحدة و في مسيرة مشتركة لعبادة الخالق تربيّ النفس على الترفـّع عن التفكير المادي و الجسدي و تُصبح المرأة صنو الرجل في العبادة و التوجّه إلى الله إلا حيثُ تتطلب طبيعة جسد المرأة تكريماً خاصاً فهذا ما وفـّره لها الإسلام و الذي أخذ البعض- مسلمين و غير مسلمين- يستغلـّونه لإشاعة فكرة دونية عن المرأة و هي فكرة ابعد ما تكون عن مكانة المرأة في الإسلام.
و اللافت أنّ المسلمين في هذا الموسم التوحيدي المقدّس يصلـّّون على خاتم الأنبياء محمد (ص) و على من سبقه من الأنبياء و الرسل لأنّ الإسلام بُني على ما قبله من رسالات و لم يُلغِ و لم يُدمِّر بل أضاف لما بناه الآخرون و ذلك تطبيقاً لقوله تعالى: "يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم".
و السؤال الحيوي لمثل حال المسلمين اليوم هو لماذا لا يتمّ استثمار هذه الطاقة الروحية الهائلة للمسلمين في موسم الحجّ لتصبح عملاً توحيدياً لعالم المسلمين المتنافر في السياسات و المتباعد في اللقاءات؟ فإذا كانت أوروبا المسيحية بعد سنين من الحروب و الاقتتال الناجم عن التعصّب الطائفي و التنازع على المستعمرات قد نجحت في تأسيس وحدتها على أساس الاتفاق التدريجي بدءاً على الفحم و الفولاذ وصولاً إلى العملة الموحّدة فإنّ ضغوط التوجهات العنصرية و التقسيم الطائفي و حروب الاحتلال و ضياع الأوطان بالاستيطان تُهدّد العرب المسلمين و مقدّساتهم، الأمر الذي يجب أن يدفع قادة العرب و المسلمين لتلبية نداء الحجّ كما يفعل ملايين المسلمين كلّ عام ليكون الطواف حول الكعبة في بيتُ الله الحرام تقليداً جامعاً لجميع حكـّام المسلمين و تذكيراً بالرسالة الجامعة للقبائل و الشعوب و الأمم في موسم الوحدة الإنسانية و ليكون موسم الحجّ موسماً لإطلاق هذه الطاقة الروحية و الأخلاقية السامية و الهائلة و التي عزّ نظيرها لما فيه خير المسلمين و خير البشرية جمعاء و نبراساً يدلّ هؤلاء الحكام نحو الوحدة في السياسات و المواقف وفق برنامج يلتقي فيه هؤلاء كلّ عام في هذا الموسم التوحيدي المقدّس للاتفاق على أمور قد تكون بسيطة، و لكن تراكم ما يتمّ الاتفاق عليه من أمور- مهما كانت بسيطة- قد يوصل خلال سنوات دول آسيا و إفريقيا المسلمة المتباعدة حالياً إلى ما وصلت إليه أوروبا المسيحية اليوم- و ليكن الهدف الأول لمثل هذا اللقاء تحقيق السلام للمسجد الأقصى الذي يرزح منذ عشرات السنين تحت احتلالٍ بغيضٍ يحرُم أمّة الإسلام من بركة زيارته و من حقـّهم في المسجد، فهل يمكن لنا أن نحلم بأن يلتزم قادة المسلمين برسالة الحجّ السماوية و روحها التوحيدية بحيثُ تتمكن أمـّة المسلمين أن تتحد في الجوهر و في الموقف فتدفع الظلم عنها و عن البشر حيثما كانوا و تـُعيد الاعتبار إلى دين الله و الإيمان الحقيقي بالمفاهيم و القيم الإنسانية السامية في العدل و المساواة و الأخلاق الكريمة، بعيداً عن الشعارات الدولية الفارغة التي تُخصّصُ لها ملايين الدولارات لتضليل العالم و احتلال بلدانه و فرض الوصاية عليها و نهب مواردها تحت شعارات تـُنْشَرُ بقوّة السلاح و المال و شراء الذمم و الضمائر و بالعنف و الاحتلال و السجون السرية و امتهان الكرامة الإنسانية أيّما امتهان.
إنّ موسم الحجّ هو دعوة لتأسيس "أسرة إنسانية" تتبارى في إتمام مكارم الأخلاق، و لذلك يجب أن يكون مناسبة لعمل شيء محدّد و واضح يخدم المسلمين و الأسرة الإنسانية المتساوية في الكرامة و المكانة و لتصحيح مفهوم "الأسرة الدولية" الاستعماري ليعني حقـّاً الكرامة و المكانة المتساويتين بين الدول و الشعوب بعيداً عن اعتبارات القوّة الغاشمة التي تُستخدَم لفرض الظلم على الشعوب الأخرى. و الظلم هو أبغضُ ما يبغضه ربّ العالمين لخلقه و عباده. لا شكّ أن اندفاعة الإيمان لدى المسلمين و المسلمات في موسم الحجّ هي أروع و أضخم تظاهرة إنسانية على مستوى العالم، فهل يلتفت إليها قادة المسلمين فيحولونها إلى عملٍ بنـّاء لما فيه خيرُ الأمّة و وحدتها و سعادة و ازدهار البشرية جمعاء■