تهمة الانتماء إلى الشعب الفلسطيني!!
د. بثينة شعبان
9 تموز 2006
لا يتسع لديّ الوقت في الغالب لمتابعة ألعاب المونديال خاصة وأنني أتابع في معظم الوقت ما تجرّه مثل هذه المناسبة على الشعب الفلسطيني الأسير حيث تستغل قوى الاستعمار الإسرائيلي انشغال العالم بالمباريات لتعيث قتلاً وتهجيراً وفتكاً يعيدنا جميعاً إلى قصص الاستعمار العنصري البغيض. ولكنّي وربما من قبيل المصادفة تابعت المباراة قبل النهائية بين فريقي فرنسا والبرتغال بعد أن أحصينا عدد الشهداء لذلك اليوم الذين اغتالتهم إسرائيل بحجة وجود جندي إسرائيلي أسير مع قوى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وراقبت الأسطورة زين الدين زيدان وشعرت بالفخر أنه ينحدر من أصل عربي وأنه سجّل تاريخاً هاماً لكرة القدم، وللحظات أخذت أتخيله إنساناً عادياً يسافر على متن طائرة مع زملاء له ويتحدث العربية أو يقرأ القرآن قبل صعود الطائرة، كما يفعل الكثير من المسلمين، فتشك قوى الأمن بانتمائه إلى مجموعة إرهابية وتمنعه من السفر في تلك الرحلة. وراقبت الوجوه في الفريق الفرنسي فرأيت السحنة السمراء والداكنة والبيضاء، كلها تلعب وتتفاعل في منافسة على الأداء الأمثل.
وحين انتهت المباراة لصالح فرنسا تبادل تشيلو من فريق البرتغال مع زيدان القمصان للذكرى. وتساءلت أين الموقف الدولي من قتل واستباحة وتهجير للفلسطينيين من هذه الروح الرياضية التي تؤمن بالتنافس على الأداء معياراً وحيداً للحكم على الشخص أو الفريق؟
وانتظرت في اليوم التالي وبعد أن ارتكبت إسرائيل جرائم بشعة بحق شعب فلسطيني أعزل، انتظرت ردود الفعل العالمية فلم أسمع أو أقرأ إدانة من قادة الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة أو أوربا، خاصة وهم يحبون إطلاق صفة "دول متحضرة" على بلدانهم. كانت الدول "الثماني" قد اعتبرت اعتقال الوزراء والنواب الفلسطينيين المنتخبين ديمقراطياً في فلسطين من قبل آلة الحرب الإسرائيلية "مقلقاً"، ودعت وزيرة الخارجية الأمريكية الطرفين إلى "ضبط النفس"، ولا أعلم كيف يمكن للفلسطينيين الذين يتلقون الصواريخ والدبابات والجرافات الإسرائيلية بأجسادهم الغضة أن يضبطوا أنفسهم؟! و لا أعلم كيف برّر قادة أوربا والولايات المتحدة الوقوف متفرجين على الطائرات الحربية و الدبابات الإسرائيلية وهي ترتكب المجازر اليومية ضّد المدنيين الفلسطينيين والجرافات الإسرائيلية تدمّر المنازل فوق رؤوس سكانها وتجرف الأراضي الزراعية بحجة إقامة "حزام أمني". لم يعد اليوم خافياً على أحد أن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت ليس إلا ذريعة واهية لاستمرار حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل منذ أكثر من نصف قرن على الشعب الفلسطيني، قتلاً وتنكيلاً وتهجيراً وتفاخر باستقدام المستعمرين الجدد من كل أنحاء العالم كي يحتلّوا أرضه ومنازله ومصادر رزقه بعد أن تدمّر إسرائيل في الضفة والقطاع البنية التحتية للشعب الفلسطيني، وها هي الأنباء تفيد أن سكان غزة أصبحوا دون كهرباء وأنهم يعيشون كارثة صحية وغذائية وإنسانية بعد أن أمر رئيس وزراء حكومة الإجرام الإسرائيلي أنه " لا يريد لغزة أن تنام" وهو " لايريد لها أن تعيش"، أي أنه يدعو إلى حرب إبادة علنية على مليون فلسطيني يعيشون في غزة، وما تدمير محطات الكهرباء والجسور ومحطات المياه واستهداف رياض الأطفال والمدارس إلا جزءاً لا يتجزأ من حرب الإبادة، هذه المخططة والمدروسة، وطبعاً ليس هناك في الدول "المتحضرة" و "الديمقراطية" من يعترض على مثل هذه الدعوة العنصرية ضدّ الشعب الفلسطيني، وليس من يعترض على دعوة يوموطوف ساميا، قائد اللواء الجنوبي السابق في الجيش "الإسرائيلي" للحكومة "الإسرائيلية" لاتخاذ قرار "بمحو مدينة بيت حانون من على وجه الأرض"!!
إن هذه الدعوات العنصرية تمثل السبب الأساسي وراء تحويل الضفة والقطاع إلى مراكز اعتقال دائم ومغلقة من قبل الطغمة الدموية الحاكمة في إسرائيل على الصحافة العالمية، حيث ترتكب إسرائيل جرائم الحرب والإبادة ضدّ السكان الأصليين في فلسطين في آخر استعمار بغيض يجثم على صدر البشرية ويواجهه قادة الدول "الديمقراطية المتحضرة" بالصمت والتجاهل، مع أن آخر الجرائم تتمثل في قيام مخابرات "واحة الديمقراطية" كما يسمي هؤلاء القادة إسرائيل باعتقال أعضاء برلمان وحكومة منتخبة "ديمقراطياً" وبشكل شفاف ونزيه باعتراف الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر. وبعد كل ما نراه من جرائم فإن مجلس حقوق الإنسان الدولي سيرسل بعثة لتقصّي الحقائق إلى غزة! بينما تبيع ألمانيا بالتزامن مع هذه الجرائم إسرائيل غواصتين نوويتين كي تزيد من قدرتها على ضرب أهداف بعيدة بالقنابل النووية بينما تنشغل معظم الصحف الغربية بكل شيء ما عدا حرب الإبادة ضدّ الفلسطينيين في غزة واضعة يدها على عيونها وفمها وآذانها وقلمها! يا للعار!.
والمقلق في الأمر ليس فقط الصمت الغربي وإنما الصمت العربي أيضاً وكأن قادة العرب يديرون وجوههم في اتجاه آخر غير مدركين أنهم جميعاً في دائرة الاستهداف. وحين يتزامن هذا الخنوع والاستكانة مع موقف كوريا الشمالية التي تقول "كلمّا زادت التهديدات سنزداد قوة" يتساءل المرء ما الذي لدى كوريا من أوراق ليست لدى العرب لكي تقف هذا الموقف؟ وكيف يمكن لجزيرة صغيرة ذات مقدرات محدودة أن تتخذ موقفاً يعجز العرب جميعاً عن اتخاذه، رغم النفط والثروات والقدرات البشرية والجغرافية والمادية الهائلة التي يمتلكها العرب؟
ماذا دهى العرب كي يخسروا حتى قدرتهم على صياغة الخبر عن جرائم ترتكب بحق أهاليهم في فلسطين، فتسمي جريدة عربية مجزرة أودت بأكثر من عشرين شهيداً "تصعيداً إسرائيلياً" في قطاع غزة، بينما تسمي جريدة أخرى حرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني "بخطة عسكرية إسرائيلية"، وتصف نشرات الأخبار العربية قصف الصواريخ الإسرائيلية من الطائرات والدبابات على المدنيين العزل "بالاشتباكات" أو "المواجهات". ويتساءل المرء كيف واجهت أجساد أيمن حلاوة (21) عاماً من جباليا ومحمد الدريملي (19) عاماً من حي الصبرة في غزة وأحمد عبد الله الخالدي (20) عاماً من الشيخ رضوان وثلاث وعشرون آخرون من الأطفال الشهداء الأبرار صواريخ الاحتلال ونيران دباباته إلا بالاستشهاد في الوقت الذي وصلت فيه الإصابات في هذه المجزرة البشعة إلى أكثر من ثمانين تعرّض خلالها الفلسطينيون إلى بتر أطراف وتشوهات من نوع جديد لم يشهدوها من قبل، مما يدّل على أن إسرائيل تستخدم أنواعاً جديدة من الأسلحة الفتاكة ضدّ المدنيين الفلسطينيين. والجميع يعلم أن ما تقوم به إسرائيل ليس "عمليات عسكرية" في قطاع غزة، بل جرائم حرب يرتكبها جيش محتل ضدّ المدنيين يعاقب عليها القانون الدولي، و ما يجري ليس "اشتباكات" أبداً بين المقاومين الفلسطينيين وقوات الاحتلال بل نيران حرب عنصرية إسرائيلية تصب على المدنيين الفلسطينيين العزّل وليس "مواجهات" بل صواريخ ونيران دبابات وأسلحة فتاكة محرّمة تحرق وتقتل شعباً أعزل في أحدث حرب إبادة جماعية لشعب كامل. وإسرائيل لا تحاكم الوزراء والنواب الفلسطينيين المخطوفين بتهمة الانتماء إلى "حماس"، بل تحاكم الشعب الفلسطيني برمته بتهمة الانتماء إلى فلسطين والتشبث بأرض فلسطين وحقوق فلسطين ومستقبل فلسطين ، وهي تهمة خطيرة بالنسبة إلى إسرائيل، فرغم كل القتل والإبادة والجرائم التي ترتكبها تجد نساءً يمسكن تراب بيت دمرّته الجرافة الإسرائيلية فيجلسون على أنقاض البيت ويتغنين بترابه الذي يعشقن. هؤلاء، رغم أنهم عزّل، يخيفون قادة إسرائيل وجيشها لعمق محبتهم لأرض الآباء والأجداد، فلسطين، وعمق انتمائهم وعشقهم للتراب و التاريخ والوجود الفلسطيني. والدرس الذي سوف تتعلمه إسرائيل، ومن يتحملون عار الصمت عن جرائمهم وعدوانهم اليوم، هو أن الغزاة في النهاية سيرحلون، وأن الغواصات النووية والقدرة العسكرية الهائلة لا يمكن أن تقهر إنساناً واحداً مؤمناً بحقه في بلاده وأن التاريخ سيكون تاريخ هؤلاء المؤمنين بأرضهم وديارهم وهويتهم. أما صحف العرب التي تسمي حرب الإبادة "أزمة غزة" فعليها أن تعلم أن قضية فلسطين هي قضية العرب جميعاً وهي شأن داخلي لكلّ دولة عربية وأنه من المخجل حقاً أن تتحرك أندونيسيا وتركيا وإيران لدعم الشعب الفلسطيني قبل أن تتحرك العروبة في أقلام وضمائر وشوارع العرب. إن العنصرية التي تمارسها "إسرائيل" اليوم ضدّ الفلسطينيين ويصمت عنها العالم هي عنصرية ضدّ العرب جميعاً، وتستهدفهم جميعاً الواحد تلو الآخر، والدليل هو الغواصات والطائرات والصواريخ النووية الإسرائيلية التي تكدسها إسرائيل لضرب جميع المدن العربية القريب منها والبعيد. إن وقوف العرب إلى جانب الشعب الفلسطيني اليوم هو وقوف مع الذات ولصالحها، لأن الذات العربية واحدة في أعين الاستهداف الإسرائيلي للعرب، والذي يجد مسوّغات للاحتلال والتعتيم عليه وعلى جرائمه اليومية. إن الشعب الفلسطيني المتطلع للحرية والخلاص من الاستعمار الإسرائيلي وممارساته الوحشية، والذي أرعب آلة الإرهاب الإسرائيلية بالديمقراطية الفلسطينية، يستحّق منّا اليوم الاحترام والتقدير والوقوف معه بكلّ ما نملك من قوة، وتحويل هذه الجرائم الإسرائيلية إلى حافز يدفعنا لإعادة قضية فلسطين والجولان والقدس واللاجئين والأسرى من العرب إلى مركز الصدارة للشعوب العربية ولشعوب العالم برمتها. رغم كلّ التعتيم الإعلامي الذي تمارسه إسرائيل وحلفاؤها العنصريون المعادون للعرب، فقد كشفت مجازرها الأخيرة وجهها الحقيقي العنصري للعالم، فهل يمكن لنا أن نتطلع كي تتخذ كل حكومة عربية زمام المبادرة لترفع صوتها على الأقل في وجه المجازر والاحتلال الأجنبي للأرض العربية المقدسة في فلسطين، وذلك من خلال اعتبار قضية فلسطين شأناً داخلياً وشخصياً لكلّ عربي و عربية مؤمن بهذه الأمة ومستقبلها وحتمية انتصارها على الظلم والعدوان؟ لقد استخدم الاستعمار الفرنسي قلاعنا بسجن المقاومين للاحتلال وناضل الثوار وأنهوا الاحتلال وبقيت القلاع للبلاد ولأبنائها الخلّص المؤمنين بها والمستعدين للزود عنها بدمائهم وأرواحهم، ولا شك أن مثل هذا التاريخ سيسطره أبناء فلسطين الأبطال الذين يواجهون أقسى أنواع الطغيان الأجنبي، وتبقى قلوبهم تنبض حباً وعشقاً لوطنهم الحبيب فلسطين العربية■