أية أمطار وأيّ صيف؟

 

د. بثينة شعبان

3 تموز 2006

 

أطلقت إسرائيل على حربها المتصاعدة ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل اسم عملية "مطر الصيف"، وهي وإن كانت بحجة محاولة إطلاق سراح جندي أُسر في أرض محتلة وهو يعتدي بدباباته على حقوق وحياة من يقعون تحت الاحتلال فإن "مطر" إسرائيل العسكري من الصواريخ والطائرات والبلدوزرات على البشر والبيوت وأشجار الزيتون إنما هو عدوانٌ مستمرٌ منذ عشرات السنين لم يهدأ قط، بل يتصاعد من حين لآخر بذريعة أو بأخرى والهدف النهائي من كلّ هذا المطر الدموي هو إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه ودياره واستقدام مستوطنين من أي مكان [ومؤخراً الدعوة إلى استقدام أناس من دارفور] إلى فلسطين، أي جنسية وأي هوية يسمح لها شرط ألا تكون فلسطينية ولدت وعاشت على هذه الأرض. ولكنّ هذا الموسم الأخير من الحرب ضد الشعب الفلسطيني وتدمير بنيته التحتية من الكهرباء والماء وكلّ مقومات الحياة في عشية وصول الفصائل الفلسطينية إلى اتفاق محتمل لعرض خطة سلام على إسرائيل، هذا الموسم كشف أموراً كثيرة واضحة للكثيرين ومحتجبة خلف سحابة صيف لآخرين.

       الأمر الأول هو أن الأخبار القادمة من الشرق الأوسط تصل أحياناً إلى وزيرة الخارجية الأمريكية حتى وهي على متن طائرتها في طريقها إلى إسلام أباد فقد وصلها خبر أسر الجندي الإسرائيلي [والذي يسمونه مخطوفاً وهو أسير اعتقل أثناء القتال] ولم تصلها أخبار اختطاف عشرات النساء الأمهات والحوامل اللواتي خطفتهنّ إسرائيل من منازلهنّ وأودعتهنّ السجون وبعضهنّ ولدن في السجون الإسرائيلية في ظروف غاية في البشاعة وانعدام الأخلاق. ووصفت رايس أسر جندي إسرائيلي "بأنه تصرف لا يمكن التساهل معه في النظام الدولي" وهو تصرف مارسته جميع الشعوب التي وقعت تحت احتلال بغيض، وهناك اتفاقات تحكم قضايا الأسرى في الحروب ولكن رايس لم تَرَ في المئة فلسطيني من بينهم عشرات الأطفال الذين قتلتهم إسرائيل في الأيام الأخيرة، و لا الآلاف من الأطفال الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل أو اختطفتهم أي شيء "يتعارض مع النظام الدولي" ولم ترَ في الدبابات و الطائرات الإسرائيلية التي تدمّر البنية التحتية و تقتل الفلسطينيين وتخطف وزراء وأعضاء برلمان فلسطينيين منتخبين، لم ترَ رايس في كلّ ذلك تصرفات "لا يمكن التساهل معها في النظام الدولي" وهذا ما يؤكد مقولة أولمرت أن حياة الفلسطيني لا تساوي حياة الإسرائيلي، ليس بالنسبة له فقط وإنما بالنسبة للكثيرين في الولايات المتحدة والغرب.

       الأمر الثاني هو أنّ قنابل "مطر الصيف" الإسرائيلية قد دفنت تحت أنقاض القصف الدموي للسلطة الفلسطينية المنتخبة إدّعاء الولايات المتحدة بالرغبة في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط وبرهن أن ما تريده الولايات المتحدة في العالم العربي هو تنصيب عملاء لمخابراتها ينفذون أوامر إدارتها ويطلقون يدها في استغلال خيرات شعوبهم مع إمكانية قمع هذه الشعوب بالمدى الذي يرغبون. لقد شهد الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر وفريقه على أنّ الانتخابات الفلسطينية كانت ديمقراطية ونزيهة وشفافة، انتخابات لا عرقية ولا دينية ولا طائفية ولا عشائرية ولا عائلية، كالتي تجري في بلدان تحتلها الولايات المتحدة عسكرياً أو أمنياً،  بل انتخابات سياسية ديمقراطية حقيقية، وهاهم الفلسطينيون الذين انتخبوا ممثليهم وفق الأسس الديمقراطية، الحقيقية بكل المعايير، عبر صناديق الاقتراع يتلقون "مطر صيف" أشدّ الحملات الإرهابية دموية من قوات الاحتلال الإسرائيلي المدججة بالأسلحة الأمريكية التي ترتكب جرائم إرهابية كلّ يوم بحقّ المدنيين العُزّل في فلسطين ولم تنبري المؤسسة الديمقراطية الأمريكية للدفاع عن الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني ولم تنتقد اختطاف إسرائيل لمئات النساء والأطفال من بيوتهم، وأخيراً اختطاف الوزراء وأعضاء البرلمان الفلسطيني المنتخبين، فأين هو الادعاء بنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، وعمّ يتحدثون حين يتبجّحون بالدعوة إلى أنظمة ديمقراطية في العالم العربي؟ أم أن ما يقصدونه من "ديمقراطية في الشرق الأوسط" هو أن تكون محاصصة المناصب بين السُنّة والشيعة والأكراد والمسيحيين وقبائل الباشتون أو ممثلي عوائل اقطاعية سياسية كما يحدث في بلدان وقعت تحت براثن الاحتلال العسكري أو المخابراتي الأمريكي. أما المسؤول الأعلى لسياسة الاتحاد الأوروبي خافير سولانا، فقد قال عن حشود إسرائيل وجرائمها ضدّ الشعب الفلسطيني في غزّة "نتفهّم تماماً أن يكون الجميع في شدّة العصبية" ولكنه لم يتفهم يوماً أن يكون الفلسطينيون غاضبين من بطش الإسرائيليين بأهاليهم وذويهم ومن ولادة نسائهم على حواجز التفتيش ومن اعتداء على حياتهم وكرامتهم كلّ يوم وفي كلّ مكان.

       الأمر الثالث هو أنّ أسر الجندي الإسرائيلي قد أثار الرعب في مجتمع عسكري يمارس القمع كلّ يوم ضدّ ضحايا الاحتلال والهدف من "مطر الصيف" كما صرّح بعض الجنود هو تلقين الفلسطينيين درساً كي لا يفكروا بمثل هذا الأمر في المستقبل، ولكنهم لا يدركون أنّ التاريخ يسير إلى الأمام دائماً وأنّ الشعوب تنتصر في النهاية، وأنّ الظلم إلى الاندحار مهما طال الزمن. ولمن ينتعشون بجبروت القوة نقول مَن منكم يتذكر اليوم طغاة الاستعمار القديم، و من يتذكر  سجّاني نلسون مانديلا، أو لم يكونوا الأقوياء المسيطرين في وقت ما، ولكنّ التاريخ يذكر أبطال التحرير لأنه تاريخ المدافعين عن الحريّة والكرامة، ولذلك لن يكون تاريخ فلسطين إلا تاريخ المقاومين الذين يناهضون الاحتلال بكلّ ما أوتوا من قوة، وسيخجل الحكّام الذين صمتوا عن هذا الظلم،  و سيتحمل المحتلون و تاريخهم هذا العار الناجم عن جرائم الإرهاب المنظّم ضدّ شعب أعزل آمن يُقتل ويُهجر ويسجن في وطنه ودياره. ولا شكّ أن المقاومة الفلسطينية قد قرأت القراءة ذاتها ولم تدّخر جهداً لاتّباع الأساليب الناجعة لإنهاء الاحتلال البغيض وتحرير الأراضي المحتلة والأسرى والمختطفين من سجون الاحتلال.

       الأمر الرابع هو أنّ الجرائم الإسرائيلية الأخيرة قد برهنت للفلسطينيين أنهم شعب واحد في نظر إسرائيل وهناك من نادى من الاسرائيلين" بمحو غزة عن وجه الأرض" دون أن توجه لهم تهم عنصرية ودون أن يعتبر هذا الكلام موازياً لادعاءات القول "بمحو إسرائيل عن وجه الأرض". لماذا يمكن لأحد أن يتجرّأ بالمطالبة بإبادة العرب دون أن تقوم الدنيا ولا تقعد! ولماذا لا يتساوى العربي بالآخر في قيمة الحياة والكرامة. و الجواب يكمن في العنصرية المعادية للعرب التي أصبحت الثقافة السياسية السائدة حالياً في الغرب. أوَ لم يتيقن العرب اليوم أنهم جميعاً مستهدفون وأنّ هويتهم و دينهم وعروبتهم هي المستهدفة، أوَ لا يكفي هذا كي يقفوا جميعاً وِقفة واحدة مع فلسطين أي مع أنفسهم، ومع العراق، أي مع أنفسهم، ومع سورية، أي مع أنفسهم. لأنّ العرب إذا آمنوا بذاتهم وبقضاياهم فلا قاهر لهم، رغم اختلال توازن القوى فإن الإيمان بالحقّ والحرية والكرامة والتمسك بها يقودان إلى النصر لا محالة. ولذلك رغم قسوة الجرائم الإسرائيلية المرتكبة بحقّ الشعب الفلسطيني بحجة أسر الجندي الإسرائيلي، هذه المرّة، وما هي إلا استمرار لجرائم امتدت عشرات السنين، رغم قسوتها فإن حال المقاومة المعنوية للشعب الفلسطيني تبشر أن هذه الحالة هي الأهمّ وعلّها تساهم في خلق روح واحدة ومتماسكة تدعم الفلسطينيين و لا تتوسط بينهم و بين عدوهم المتغطرس بالقوة و بالدعم الأمريكي لعدوانه و جرائمه، وعلّ هذه الحال من المقاومة تنتقل إلى العرب المخذولين أو المهزومين فيرفعوا أصواتهم لنصرة الحقّ العربي ضدّ احتلال مهين، فإذا توفرت الإرادة العربية السليمة لا يمكن لأحد أن يقهره.

 

       الأمر الخامس هو أنّ اللغة والمصطلح اللذين استخدما في وصف الحرب الإسرائيلية الجديدة التي شنّها قادة إسرائيل الجدد في الأسبوع الأخير يدعوان إلى التساؤل عن روح المهنة الصحفية والالتزام الأخلاقي بشرف المهنة. فقد كان عنوان المقال الذي صدر في "كريستيان سيتس مونيتور: عودة إسرائيل إلى غزّة: دوافع عديدة" أما جريدة الغارديان البريطانية فكتبت: "الدبابات الإسرائيلية تُشدّد الحصار على قطاع غزّة المحاصر" واللوس أنجلوس تايمز قالت "إسرائيل توقف مسؤولين من حماس" بينما هي اختطفتهم وتكتب "طائرات تصدر ضجة قرب بيت الرئيس الأسد" والواقع هو أن طائرات إسرائيلية تنتهك حرمة الأجواء السورية وتخرق كلّ القوانين والشرائع الدولية. بينما كان المقال الافتتاحي في جريدة الهيرالد تريبيون ليوم الجمعة 30/6/2006 "حماس تستفزّ القتال". أوَ لا تستوجب هذه الاستهانة بحياة كلّ طفل وامرأة ورجل عربي غضب العرب جميعاً وتوحّدهم للمطالبة بحقوقهم على الساحة الدولية، وإذا سأل سائل عن أي عرب نتحدث فأقول عن العرب الذين يعلنون تمسكهم بحقوقنا و يعملوا كلّ ما بوسعهم لتبقى روح المقاومة متّقدة في قلوب الأطفال والشباب، فهي الوحيدة التي تخيف الأعداء وتطمئن المقاومين من أجل الحرية والأسرى أنّ لهم أهلاً يأبون الذلّ ولا يخشون في الله لومة لائم.

       الأمر السادس: أن من يدعمون إسرائيل في غيّها لارتكاب كلّ هذه الجرائم البشعة بحقّ الشعب الفلسطيني، و العرب عموماً، لا يقدمون خدمةً إلى إسرائيل لأنه لا بدّ وأن يأتي يوم يعلن فيه المسؤول الأمريكي ومسؤول الاتحاد الأوروبي "أنهما يتفهمان أن يكون العرب في شدة العصبية"، حتى وإن استغرق هذا عشرات السنين، مما يعني أن المعركة طويلة وتاريخ العرب يبرهن أنهم لم يناموا على ضيم وأنّ الأمهات تلد المقاومين مهما استشهد وأسر من مقاومي هذه الأمة الأبطال