هل هو عالم واحد فعلاً؟

د. بثينة شعبان

19 حزيران 2006

    وأنا أغادر مطار هيثرو متوجهة إلى الولايات المتحدة كنتُ أرسّخ في ذاكرتي ما قرأته عن الطفلة المكلومة هدى غالية وعن العروض التي قُدّمت لتبنيها محاولة أن استقرأ ضمير هذه الطفلة التي لن يعوّض لها شيء في العالم عن لمسة حنان من والدها وعن حضن أمها وحضور إخوانها معها،  وفجأة تسمّرت عيناي على لافتة زرقاء كبيرة وضعتها الخطوط البريطانية حيثما توجهت كُتِب عليها "One World" "عالمٌ واحد".   وفي الوقت الذي قصد به كاتبو هذا الشعار أن الخطوط البريطانية تنقلك إلى كلّ مكان في العالم وأنّ الطيران قد قرّب المسافات جداً بين البشر كنتُ أتأمل في داخلي ما إذا كان العالم عالماً واحداً بالفعل في القيم والسياسة والأخلاق وحتى في النظرة إلى أهميّة حياة الإنسان ومشاعره وفهمها على المستوى الإنساني. وبينما كانت الطائرة تسير باتجاه معاكس لصوت هدى غالية ودموعها وحرقتها لأجد كلّ من حولي في الطائرة يقرأ عن آخر أخبار مباريات كأس العالم شعرتُ بعمق وحرقة أ أنّ العالم ليس واحداً وأنني قدِمتُ للتوّ من عالمٍ هانت به حياة الإنسان على الجميع بحيث تُرتَكَب المجزرة تلو الأخرى بحقّ الأطفال والأبرياء في فلسطين والعراق وتفشل كلّ دول العالم وحتى الأمم المتحدة في إدانة مجزرة ارتكبت في وضح النهار على شاطئ البحر ومجزرة أخرى تلتها في اليوم التالي في غزّة وكأنّ هؤلاء الذي يقضون في هذه المجازر ليسوا بشراً أو كأنّ حيواتهم لا تكتسب القيمة ذاتها التي تكتسبها حياة البشر في مناطق جغرافية أخرى.   وانتابني الشعور ذاته وأنا أقرأ عن "انتحار"  ثلاثة شبّان في سجن غوانتانامو: سعوديان ويمني واسمع التعليقات المخزية عن سفك أرواح بريئة لم يُقدّم أصحابها حتى إلى محكمة،  بل صُودِرَت أعمارهم وأطلق حكم الإعدام على حقّهم بحياة حرّة كريمة دون أن يبرهن أحد على أنهم مذنبون في شيء أو ارتكبوا أي جريمة تستحقّ العقاب.

       والمذهل في الأمر هو ردود الأفعال التي نشاهدها ونقرأها على المآسي التي تصيب البشر في منطقتنا فقد كدتُ لا أصدق عينيّ وأنا أرى الأمين العالم للأمم المتحدى لدى سؤاله عن المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين الأبرياء على شاطئ غزّة ونجم عنها قتل أسرة كاملة لم ينج منها سوى الطفلة هدى غالية حيثُ ردّ بقوله: "لقد قلتُ دائماً للحكومات بأنّ عليهم أن يتوخّوا الحذر والدقّة"  ولم ينطق باسم "إسرائيل"  أو "حكومة إسرائيل"  وكأنّ الجريمة ارتكبت في كوكب آخر وهو غير قادر على ذكر اسم أو إدانة مرتكبي هذه الجريمة الفظيعة بينما يُرسٍل رسالة إلى رئيس الوزراء اللبناني يطلب منه احترام "الخطّ الأزرق برمته!"  ولم يطلب من الآخرين احترام قدسية حياة أسرة بريئة قصدت زرقة البحر لقضاء يومٍ عائلي سعيد فانتهت بمجزرة هي جزء من حرب إبادة على شعب كامل.   وبعد هذه المجزرة تطالعنا جريدة الغارديان البريطانية (14 حزيران 2006)  بعنوان: "إسرائيل تلوم حماس على الموت الذي جرى على شاطئ البحر."   وأما أن يعهد إلى الجيش الذي ارتكب الجريمة بإعداد تقرير عن أسبابها فهذا ما يُشكّل قمّة الاستهتار بحياة البشر واعتبارهم بشراً من الدرجة الثانية.  وفي هذا الصدد أودُّ أن استعير عبارة  من مقال للكاتب الأمريكي دافيد اغنيثيوس بعنوان:  "أغلقوا غوانتانامو لأنها حوّلت السجانين إلى مسجونين"  حيثُ قال: "هذا ما تفعله الحرب حيثُ يتوقف الناس عن رؤية أعدائهم كبشر"   وفي الحقيقة هذا ما نشعره كلّ يوم حول ما يجري في فلسطين والعراق إذ أنّ العالم قد توقّف عن رؤية من يقضون في هذين البلدين كبشر،  ولم يعد يتعرّف أحد حتى على الأسماء بل أصبحوا أرقاماً تُذكر على عجالة في الأشرطة الإخبارية.  والحرب هنا بالمفهوم الأعمّ هي الحرب على الإرهاب،  والتي تمثّلت أحد أهم نتائجها في أنها حوّلت العرب والمسلمين إلى بشر من الدرجة الثانية،  وشكّلت قناعات في الغرب بأن العرب والمسلمين يستحقّون العقاب لأنهم مسؤولون عن الإرهاب في العالم.  ومن هنا يأتي ما نشهده في سجون غوانتانامو وأبو غريب والسجون السرّية في أوروبا والولايات المتحدة،  معتمدين في ذلك على عبارة لا بدّ للعالم من أن يتنصّل منها اليوم ويرفض استخدامها كتبرير لما يجري وهي عبارة "مشتبه بهم".

      وفي هذا الصدد فقد تقاطعت دراسات في الولايات المتحدة وهولندا وبريطانيا أنّ العرب يشعرون بالتمييز ضدّهم في هذه المجتمعات وأنّ هذا التمييز إما نشأ وإما ازداد أضعافاً مضاعفة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.  فقد كشفت دراسة تمّ تمويلها من قبل وزارة العدل الأمريكية أنّ أغلبية كبيرة من العرب الأمريكيين مازالوا يشعرون،  وبصورة متزايدة،  بأنهم مشبوهون من قبل الشرطة الأمريكية ومكاتب وشركات الحكومة ومن قبل الرأي العام ووسائل الإعلام الأمريكية.  وسجّل التقرير زيادة غير مسبوقة بجرائم الكراهية من 28 قضية عام 2000 إلى 481 قضية عام 2001 وفي كلّ مكان في الولايات المتحدة سجّل أبناء الجالية العربية الخوف من الاستهداف المتعمّد لهم ومن الوشاية بهم والتحرّش وعبّر كثيرون أنّ العلاقة بين الجالية العربية والمؤسسات الأمريكية أقل إيجابية مما كانت عليه قبل الحادي عشر من أيلول.

     وفي هولندا أيضاً أوضح تقرير أنجزته الحكومة هناك بأنّ 475000 شخصاً،  وهو تقريباً نصف عدد الأجانب في هولندا،   يشعرون بأنهم ضحايا التمييز والكراهية في العمل وفي الحياة،  وأنّ التمييز ضدّ لون البشرة أو الدين الإسلامي قد ازداد أضعافاً مضاعفة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول،  وقال الكثيرون ممن وُجّهت إليهم أسئلة أنهم يشعرون أنّ لون بشرتهم أو الدين الذي يعتنقوه أو أصولهم التي قدموا منها تلعب دوراً في حصولهم أو عدم حصولهم على عمل.   ولم يعد من المجدي القول من قِبَل مسؤولين في الغرب أنّ كلّ أنواع التمييز العنصري غير مقبولة في المجتمعات الغربية وأنّ المواطنين جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات،  لأنّ هذا لم يعد دقيقاً حين يتعلّق الأمر بالجاليات العربية والمسلمة في الغرب.   والخطر الحقيقي لا يهدّد هذه الجاليات فقط ولكنه يهدّد الأسرة الإنسانية برمتها وعلينا أن نستذكر أي مجتمع كان يعيش به الإنسان حين كان التمييز العنصري حقيققة واقعة على الأرض،  فهل نلتزم الصمت إلى أن تعود الممارسات العنصرية لتضعفنا جميعاً حين يصبح من المتعذّر أو الصعب جداً معالجتها؟

      لا شكّ  أننا اليوم لا نعيش في عالم واحد حيثُ ينشغل بعض العالم بمباريات كأس العالم بينما ننشغل نحن العرب بمشاهدة حرب إبادة ضدّ أطفالنا وأهلنا في فلسطين وفوضى عارمة ومجرمة في العراق يمرّ عبرها الرئيس بوش بالقول:  "إذا كنتم تريدون القول إن النجاح في العراق يعني انتهاء العنف،  فلا أعتقد أنها طريقة مناسبة للحكم على النجاح أو الفشل،  إنه معيار من المستحيل تحقيقه" ماذا يعني أي نجاح في غياب مطلق للأمن وشيوع فوضى قاتلة فعلاً نجمت عن استباحة بلد وحلّ مؤسساته العسكرية والمدنية والقذف به إلى غياهب القتل والاقتتال والدمار ومن ثمّ الالتفات إلى رئيس وزرائه الذي لم يعلم بقدوم بوش إلى بلاده إلا قبل خمس عشرة دقيقة من اللقاء ليقول له  "مستقبل العراق بين يديك"  بعد أن اعترف أن تعذيب السجناء العراقيين في أبو غريب كان  "خطأ رهيباً"،    ولكنه لم يعترف أنّ الحرب على العراق وأسلوب الحرب على الإرهاب كان خطأ أفدح وأخطر،  وأن نتائج الحرب على الإرهاب بالأسلوب الذي تبنته الإدارة الأمريكية وهو اتهام كلّ العرب والمسلمين بأنهم مشتبهون قد بدأت تتوضح بعنصرية ضدّ اللون والعرق والدين تشكّل بالفعل تهديداً لمستقبل السلام والوئام بين البشر.  ونتيجة سطوع شمس هذا التمييز في الشرق قبل أن يراها الغرب بوضوح أخذت القوى التي تستشعر حجم أخطار هذا التوجّه تبحث عن صيغة للتعاون وإسماع صوتها على الساحة الدولية متمثلة في قمة منظمة التعاون في شنغهاي والتي ضمّت الصين وروسيا وإيران والهند وغيرها من الدول.  واكتفت الدول الغربية باعتبار هذا الحلف تحالفاً ضدّ الغرب أو ضدّ الولايات المتحدة. 

     إنّ ما يجري اليوم على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي يبرهن،  دون أدنى شك،  أننا لم نعد نعيش في عالم واحد،  وأنّ على المؤمنين بالدالة  وبالأسرة الإنسانية وبالكرامة المتساوية بين البشر من جميع الأديان والأعراق والألوان أن يدقّوا ناقوس خطر العنصرية القادم،  ودور أسلوب الحرب على الإرهاب في تغذية هذه العنصرية الجديدة والوقوف ضدّ كلّ القوانين والإجراءات والأعمال التي تقسم البشر إلى جزء مشتبه به وآخر متضرّر من هؤلاء المشتبهين.  والمحكّ في انتمائنا إلى عالم واحد ليس سرعة انتقال البضائع والدولار من زاوية إلى أخرى من أصقاع الأرض بل سرعة الشعور بكرامة الآخر،  والتعاطف مع حقّه المتساوي في العيش والكرامة الإنسانية.  كي نفعل ذلك لا بدّ من أن نستمع إلى أصحاب الضمائر الحرّة في كل مكان ونخذل المتاجرين بالدين والسياسة والعرق في كل مكان أيضاً،  والذين باتوا يشكّلون خطراً جديداً علينا جميعاً.   أي ألا يتلقف الناشرون في الغرب وصانعوا الأفلام كلّ من يستهدف الإسلام والمسلمين والعرب،  بل أن نتحدّث عن القيم الإنسانية المشتركة والقواعد الأخلاقية وأسس العدالة والسلام والتي يطمح إليها الناس في كل مكان.   سوف يكون العالم واحداً حين تثيرُ مجزرة أهل الطفلة هدى غالية الألم ذاته في نيويورك وواشنطن ولندن للألم الذي تثيره في رام الله ونابلس ودمشق.  حينذاك فقط يمكن لنا أن نفخر بانتمائنا لأسرة إنسانية واحدة تنظم حياتها القاعدة الأساسية أنّ حياة الإنسان وكرامته وأمنه وسعادته هي أعلى القيم التي يجب علينا جميعاً أن ندافع عنها ونصونها