فلسطين والعراق من واشنطن !

 

د. بثينة شعبان

 

29 أيار 2006

 

 

لم يكن إيهود أولمرت بحاجة لأن يطمئن على نتائج اجتياح سيارات الاحتلال العسكرية ودباباته مدينة رام الله المحتلة، فقد أصدر الأوامر قبل انطلاقه إلى الكونغرس الأمريكي ليخطب في مجلسي النواب والشيوخ، بينما تمارس قواته هوايات الصيد اليومية بقتل الشبان الفلسطينيين واعتقال من تستطيع منهم باعتبارهم جميعاً مطلوبين على قائمة الاحتلال الإسرائيلي! فقد استشهد أربعة فلسطينيين وأصيب نحو ستين آخرين بجروح، وتمّ اعتقال الشاب الفلسطيني محمد الشوبكي وزملاء معه لينضموا إلى آلاف المناهضين للاحتلال الإسرائيلي القابعين في السجون الإسرائيلية والذين يطلق عليهم أولمرت وطغمته صفة "الإرهابيين" لأنهم يحلمون بالحرية والاستقلال والعيش الكريم في نفس اليوم الذي ألقى أولمرت خطبته العتيدة في الكونغرس الأمريكي. وكنت كمشاهدة أتنقّل بين صور شباب أبرياء تُذبح في رام الله، لا لذنب إلا لأنهم وُلدوا على أرضٍ طمع بها مستوطنون، وبين خطاب لأولمرت ينذر بمستقبل مظلم بالفعل للمنطقة. والأكثر من ذلك أن خطاب أولمرت يتناغم في منطلقه ورؤيته مع المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء توني بلير والرئيس بوش بعد يومين في البيت الأبيض والذي تثير قراءته والتمعُّن به هولاً وذعراً لدى كلّ حريص على مستقبلٍ آمن ومزدهر في منطقة مهبط الديانات وتعايش البشر من كل الألوان والأعراق.

وكي يتابع القارئ العربي معي تحليلاً للخطط التي أُعدّت لمنطقتنا والتي أُعلنت من قبل واشنطن بلغة مخادعة ومضلّلة ظاهرها البحث عن السلام وباطنها مخطط إبادة لهوية المنطقة بثقافتها ودياناتها وتعدّديتها وحضارتها، سوف أبدأ من فلسطين في واشنطن، حيث تحدّث أولمرت أمام مجلسي النواب والشيوخ وبدا المقرّر الوحيد لتاريخ فلسطين والمنطقة وشعب فلسطين والشعب العربي، يقدمه للساسة الأمريكيين بأنه شعب "يفضّل الموت على الحياة، ونشأ على ثقافة الكراهية والاستبداد"، وتأتي هذه (الواحة من الديمقراطية) "إسرائيل" "التي أخذت على عاتقها إحلال السلام والديمقراطية والازدهار في المنطقة" مع أنه وصفها بأنها "دولة يهودية" أي لا مكان لغير اليهود بها. وامتدح أولمرت المستوطنين في أمريكا وإسرائيل الذين صنعوا المستحيل "وذلك من خلال بناء مدن حيث كانت المستنقعات موجودة فأزهرت الصحراء على أيديهم" وذكر أولمرت كيف أنّ الله وعدهم هذه الأرض حيث ستقام عليها دولة يهودية حيث لن يزعجها أحد بعد اليوم! وكي يتم إيجاد المبرّرات لتحطيم كلّ من يزعج "إسرائيل" فقد وصف أولمرت حركة حماس بأنها "معادية للسامية، وتمجّد الإرهاب" ولم يذكر طبعاً أنها حكومة منتخبة بشكل ديمقراطي وأنّ تسعة من أعضائها المنتخبين يقبعون في السجون الإسرائيلية، متّهماً في سياق كلامه الشعب الفلسطيني كلّه بالإرهاب، ومعتبراً أيّ مقاومة للاحتلال الإسرائيلي البغيض إرهاباً. وحين عبّر أولمرت عن استعداد إسرائيل للتفاوض مع السلطة الفلسطينية، فقد أكّد أنّ على هذه السلطة "أن تتخلى عن الإرهاب [المقاومة]، وتُفكك البنية التحتية للإرهاب [تدمير الشعب الفلسطيني برمّته كي لا يبقى من يهدد أمن إسرائيل]، والقبول باتفاقات والتزامات سابقة، والاعتراف بحقّ إسرائيل في الحياة". وقال: لنكن واضحين "السلام دون أمن لن يحقق لا السلام ولا الأمن". الأمر واضح إذاً، تحقيق الأمن يتطلب إبادة كلّ من يرفض الاحتلال الإسرائيلي، ولا وجود للشرعية الدولية أو لقرارت الأمم المتحدة، فالسلام هو الذي يفرضه الأقوى على الأضعف. وحتى الأجزاء التي ينسحب منها من فلسطين "فهي أرض أجداده، وموعودة له في التوراه، ولكنه يتخلّى عن فتات منها للفلسطينيين، مع أنه يؤمن إلى حدّ اليوم "بحقّ شعبه التاريخي والدائم بالأرض كلّها". والغريب أنّ الإعلام لم يلحظ أنّ هذه العبارة تعني التنكّر المطلق لحقّ العرب في أرضهم المحتلة، وأنها تعني التنكّر لشعب موجود على أرضه ولكلّ قرارات مجلس الأمن التي تعترف بهذا الحقّ وتؤيّده. واتهم العرب بثقافة الكراهية وسأل: "كيف يمكن لطفل يكبر في ثقافة الكراهية أن يحلم بإحلال السلام؟". الآن أعرف لماذا يصطاد الجنود الإسرائيليون الأطفال الفلسطينيين كالقنّاصة، لأنهم يؤمنون أننا شعب كراهية وشعب لا يستحقّ الحياة. ودعا شعب الشرق الأوسط لاستبدال ثقافة الكراهية بثقافة الأمل!. وبما أنّ أولمرت لا يستطيع انتظار الفلسطينيين للأبد، وبما أنهم ليسوا شريكاً للسلام، فقد دعا الولايات المتحدة أن تكون شريكته "لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، النجاح سيكون ممكناً فقط إذا كانت الولايات المتحدة شريكاً فاعلاً تقود دعم الأصدقاء في أوروبا وعبر العالم" " وبهذا التحالف مع الولايات المتحدة والعالم يمكن أن يجد السلام والاستقرار طريقهما إلى أبواب هذه المنطقة المضطربة" !

       وهكذا فقد قرّر أولمرت في خطابه أمام مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين أن فلسطين كانت مستنقعاً وحولوها إلى أرض خضراء متجاهلاً مئات الآلاف من أشجار الزيتون التي جرفتها جرّافات الاحتلال، وأنّ هذه الأرض أرض أجداده من آلاف السنين، متجاهلاً خمسة ملايين لاجئ فلسطيني حوّلهم الإرهاب الإسرائيلي إلى لاجئين خارج وطنهم وعلى أرضهم، وأنّ المقاومين والمناضلين من أجل الحريّة إرهابيون يستحقّون الاغتيال اليومي الذي تمارسه إسرائيل بحقّهم، وأنّ الفلسطينيين ليسوا شركاء للسلام ولذلك سيقرّر مصير فلسطين بالتعاون مع الولايات المتحدة وأصدقائها.

       والمفجع في الأمر هو أنّ رؤية الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء توني بلير للوضع في المنطقة، والحلول المرجوّة لها تقاطعت في أكثر من مكان مع الرؤية التي قدّمها إيهود أولمرت للمسؤولين الأمريكيين، ومن خلالهم للشعب الأمريكي والعالم. فقد رحّبا باقتراح إسرائيل للتخلّي عن فتات أرض في غزّة والضفة الغربية وابتلاع القدس والمياه والأرض والشجر، مع أنّ كل القرارات الدولية التي صوّتت عليها الأسرة الدولية تنصّ على عدم تفرّد طرف بفرض الحلول، بل الالتزام بحلول يوافق عليها جميع الأطراف . وكما أنّ إيهود أولمرت قد اعتبر فلسطين أرضاً بدون شعب، فإنّ توني بلير اعتبر أنّ تاريخ العراق هو تاريخ صدام، متناسياً في حديثه عن الحروب التي قادها صدّام أن صدّام قد لقي كلّ الدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا، خاصةً في حربه ضدّ إيران، واعتبر توني بلير نفسه مسؤولاً عن صياغة مستقبل العراق تماماً كما اعتبر أولمرت نفسه مسؤولاً عن صياغة مستقبل المنطقة، حيث قال بلير: "مسؤوليتنا هي أن نأخذ هذا البلد ونحوله إلى ديمقراطية مستقرة ومزدهرة، كرمز للأمل لشعبه وفي منطقة الشرق الأوسط ككل" وهنا لا أملك إلا أن ألفت نظر رئيس الوزراء البريطاني أن العراق كان دائماً رمزاً للثقافة والأدب والشعر والتعايش الغني والحضارة والعطاء، وأن الاحتلال اليوم هو الذي حوّل نساء وأطفال العراق إلى عبيد يُباعون ودمّر مستقبل العراق للمئة سنة القادمة فهل يتحمّل من شنّ الحرب على العراق مسؤولية النكبات التي جرت للعراق والعراقيين ؟ كما أن الرئيس بوش اعتبر منطقة الشرق الأوسط منطقة النقمة والكراهية والمرارة وقال: "أن العراق سيمثّل نموذجاً عن الحياة في مجتمع حرّ وبنفس الوقت يجب أن نعمل لإنهاء المصادر المزمنة للمرارة والصراع في الشرق الأوسط". والملحوظ في المؤتمر الصحفي لتوني بلير والرئيس بوش هو التماهي الذي أكّدا عليه بين العراق والشعب العراقي من جهة وبين صدّام من جهة أخرى، فكما أنّ كل الفلسطينيين مقاومون، ولذلك فهم إرهابيون، ويحقّ لإسرائيل قتلهم، وكذلك العراق الذي وُصف بأنه بلد ديكتاتوري، وأن شعب الشرق الأوسط "يختزن النقمة العميقة والكراهية" في قلبه، وحتى أن الرئيس بوش أعطى نفسه الحقّ بأن يبحث في أرواح العراقيين ويعلم ماذا يريدون، ويلبي رغبتهم بالإبقاء على الاحتلال فترةً أطول! بينما نقطة العظمة في المجتمعين الأمريكي والبريطاني هي الإيمان بالمجتمع الحرّ بينما "يجلس الشعب العراقي هناك، يراقب وينتظر مالذي يمكن للولايات المتحدة أن تفعله". أما القدس والجولان وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، فقد أسماها الرئيس بوش: "أنّ هناك كلّ أنواع المسائل المتعلقة بالوضع النهائي التي يجب التفاوض بشأنها". ولكنّ المشكلة هي أنه لا يوجد شريك فلسطيني أو عربي يمكن التفاوض معه، مع التشكيك دائماً بقدرة العرب على التفاوض دون ذكر أنّ إسرائيل قتلت مئات القادة وتسجن الآلاف منهم، وأن المبادرة العربية التي عبّرت عن رغبة العرب جميعاً بالسلام العادل والشامل قد رفضتها إسرائيل مراراً. واختتم رئيس الوزراء البريطاني بلير بالقول "أنّ كلّ أحد يجب أن يدرك بأن المصلحة المشتركة اليوم هي في ضمان إنجاز العراق للهدف الذي وضعناه". وهنا تكمن الكارثة لأن الهدف الذي وُضع للعراق هو تفتيت العراق، وتدميره ونهب ثرواته، وها هو الثلاثي، أولمرت وبلير وبوش، يتفقون أنه يمكن لإسرائيل أن تقرّر مستقبل فلسطين ويمكن لهما أن يقرّرا مستقبل العراق متفقين جميعاً أن عالمهم "الديمقراطي" يجب أن يغيّر هوية الشرق الأوسط التي لم يروا بها سوى "المرارة والنقمة والكراهية".

       والغريب في الأمر أنّ الإعلام الأمريكي الحرّ لم يلحظ في المؤتمرين الصحفيين تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2006 والذي أشار إلى الانتهاكات الرهيبة لحقوق الإنسان في فلسطين والعراق، والتي ارتكبت باسم محاربة الإرهاب، فكم هي مصادفة غريبة ألا يعلم قادة الإعلام الأمريكي بمثل هذا التقرير في مؤتمرين صحفيين متلاحقين ظهر بهما الرئيس بوش؟ كما أن الإعلاميين الذين حضروا المؤتمر الصحفي لإيهود أولمرت لم يسمعوا بأنّ القوات الإسرائيلية اجتاحت رام الله، وقتلت خمسة فلسطينيين، وجرحت العشرات واعتقلت خمسة شبان، أم أنّ الرأي الإعلامي تماهى مع الرأي السياسي بأنّ هؤلاء الفلسطينيين إرهابيون، وأنّ قتلهم مبرّرٌ ومشروع ؟

أيّ رؤية مظلمة هذه لمنطقة هي مهد الديانات الثلاث ومنبع الحضارات ومثال التعايش بين الأديان والأقليات وردت إلينا من واشنطن؟ وكم يتوجّب علينا نحن العرب – مسلمين ومسيحيين – بالانشغال بمواجهة هذه الرؤية المظلمة بالعلم والعمل بدلاً من مناقشة تجريد العرب من السلاح، وإثارة الفتن والمعارك بين الأخوة الذين يقفون جميعاً في دائرة الاستهداف الاستعماري الجديد