أمـّة وهنت بالتجزئة فتكاثر حولها التخاذل و الاحتلال
د. بثينة شعبان
9 كانون الأول 2006
كيف نقف مكتوفي الأيدي حيال مناظر لم تعد نقوى على مشاهدتها في غرف جلوسنا و البديل هو ماذا نفعل حيال كلّ ذلك؟ يبدو الأمر مؤلماً إلى درجة الثمالة، صعباً إلى حدّ الخطورة و لكنه يزداد إيلاماً و خطورة ً يوماً بعد يوم و في الوضع الراهن لا توجد بارقة أمل في رؤية و لا ضوء في نهاية نفق الآلام اليومي هذا. كيف يمكن لنا أن نستمرّ بمراقبة نشرات الأخبار و هي تنقل صور ضحايا لمجازر حوادث قتل جنونية تستهدف المصلين في بيوت الله أو مسافرين في أمان الله أو مزار عين في حقول الزيتون أو أطفالاً يلهون أو نساء في السوق أو شباناً يسعون للقمة العيش أو.. أو..؟! كيف يمكن أن نعرف معنى البهجة و كلّ يوم تردنا أخبار عن تفجير في مسجد لم يسلم منه مرقد سبط الرسول الحسين بن علي الذي بقي تغسله دماء الضحايا الأبرياء ليقابله قتل أشدّ عنفاً و كراهية في الرمادي لأبناء الشعب الواحد و الأسرة الواحدة بينما تضع الأم الفلسطينية يدها على قلبها و تعتصر علقم الألم في تعابير وجهها و هي تفقد وحيدها بصاروخ طائرة إسرائيلية. كلّ ذلك و العرب كلهم، شعوباً و حكومات، تبتعد عنهم مسالك الحريّة و الكرامة و العيش الآمن الكريم. اخبار مريرة تمرّ كلّ لحظة بشريط على الشاشة على مشاهدين خدّرهم الألم و الفجيعة و عجز دولهم و سفاهة البعض من سياسيهم المتبارين على استجداء الأجنبي فيما يواصل شريط الأخبار: اثنان استشهدا بصاروخ إسرائيلي- أربعون قتلوا في كربلاء- ستون في الرمادي... دون أن يتوقف أحد لحظة ليذكر لنا صورة ً أو أسماً أو نبذة ً عن سيرة حياة انتهت بلا مبرر أو يستحضر آخر خطوات و توجهات أو يوجّه الكاميرات إلى الأمّ الثكلى أو الأخت المفجوعة أو الأولاد...
كلّ هذا لا اثر له في مناقشة الرئيس بوش لنتائج "الحرب على الإرهاب" في إيجازه الأخير للبنتاغون فقد بدا و كأنه قـَدِمَ من كوكبٍ آخر فتكلم عن اعتبارات أخرى و عن طموحاتٍ أخرى فلم تهمّه أرقام الآلاف من المدنيين الذين ما زالوا يُقتلون في العراق كلّ لحظة، و لا تهمّه المعاناة اليومية للملايين من الأحياء هناك، و لكنه بيّن لنا اهتمامه بتدريب الشرطة و الجنود و الضباط الذين "تعمل الولايات المتحدة على تدريبهم و الإرتقاء بمستواهم كي يتحملوا مسؤولياتهم و يصونوا المصالح التي يريد لهم المحتلون أن يخدموها" دعا الناس في فيرجينيا للصلاة من أجل جنود أمريكا في العراق! لماذا؟ هل ليقتلوا عدداً أكبر من العراقيين؟ أم ليُقتل المزيد منهم دفاعاً عن النفط؟ و لكن من يصلي من أجل هؤلاء الذين سلبهم قرار بوش بالحرب على العراق أمنهم و حياتهم و مستقبلهم و أفراد أسرتهم و من يُعيدُ لهم ما خسروه و هو كثير؟! لقد تحدّث الرئيس بوش للشعب الأمريكي عن "إنجازات" الضباط الأمريكيين في العراق و كذلك عن "إنجازات" السفير الأمريكي في العراق (ليس تدخـّلاً!) و تحدّث جنرالات الحرب الأمريكية أبو زيد و كيسي و ديمسبي أيضاً عن "التقدّم" الذي أحرزوه في العراق و بينما يتحلى هؤلاء الضباط وفق تأكيد بوش "بأفضل الشيم الإنسانية"، و الواقع أنهم لا يفعلون سوى المزيد من القتل و الاعتقالات و التعذيب و احتلال بلدٍ عربي مسلم! فقد تحدّث عن "العدو" الذي يمتلك "إيديولوجية الكراهية" و لديه "الرغبة" في القتل و أكد الرئيس بوش لهؤلاء الضباط أنّ الإدارة الأمريكية ستفعل ما بوسعها لكي تقدّم هؤلاء الأعداء "للعدالة" و الدليل مجازر الفلوجة و تلعفر و التفجيرات اليومية. تحدّث الرئيس بوش عن العراق و كأنه مليء بالأعداء لا بالشعب العراقي و تحدّث عن العراق و كأنه وُجِدَ صدفة على خارطة العالم و أن الجيش الأمريكي قادم ليعلـّم العراقيين أصول الحياة و التصرّف و الانتخاب و رفع مستوى الانتخابات التي حدثت إلى الحدث الذي يحدّد مصير العراق و المنطقة و المسلمين و تجاهل قتل العلماء و الأطباء و أساتذة الجامعة و الاختصاصيين و تدمير و نهب آثار العراق و تدمير البنية التحتية له و تجاهل الأمر الخطير جداً و هو أنّ العراق اليوم هو على شفا التقسيم و على شفا الحرب الأهلية بعد أنّ كان بلداً مستقلاً ذا سيادة، و أنّ الإدارة الحالية لا تـُعير الديكتاتوريات أي اهتمام إلا ّ بقدر ما يتعلق بمصالحها، فالعديد منها و من طغاتها أصدقاء و مقربون من الإدارة.
و بعد ساعة من خطاب بوش قـَدِم جاك سترو إلى بيروت ليعبّر عن استعداده لمساعدة الشعب اللبناني في خوض مسار الحريّة و الديمقراطية، و لم يكن كذلك عندما كان شارون يسحق بيروت و يقتل خمسين ألف لبناني بحربه المجنونة على لبنان. و عبّر سترو عن اهتمامه الخالص ببعض قرارات مجلس الأمن و لم يجرؤ طبعاً بالتعبير عن اهتمامه بالعديد من قرارات مجلس الأمن التي تـُعيد للعرب حقوقهم في فلسطين و الجولان و القدس و شبعا فيدّعون بأن جنرالاتهم يتمتعون "بأفضل الشيم الإنسانية" و المشاهدين و العرب كلهم شعوباً و حكومات و زعماء و مثقفين و إعلاميين و.. يراقبون هذا و ذاك على شريط الأخبار و في الصحف و النشرات متلقين فقط لما يـُخطـِّط لهم هؤلاء الذين يمتدحون أنفسهم بل ينبري بعض الإعلاميين للتبرير لهم في فضائياتهم الناطقة بالعربية كي تـَُضعُفَ بعض النفوس فتنضمّ إلى ركب الانضواء تحت الراية الدولية كي يصبحوا جزءاً من "المخطط الوحيد المطروح على الساحة" لمحاربة من يسميهم بوش و سترو "الأعداء" و ليساهموا في إحلال ما يسميه بوش و سترو "الأمن و الديمقراطية". و في إطار هذا و ذاك يمرض شارون الذي وفـّر للسنوات الأخيرة استراتيجية اغتيال يومية للفلسطينيين بدلاً من استراتيجية المجازر التي ميّزت سيرته الأولى و تأكد من ملئ السجون بالآخرين بما في ذلك سجن غزة الكبير و تهويد القدس و اقتلاع أشجار الزيتون و بناء جدار للفصل العنصري، تخليداً لذكراه في التاريخ، و ترحيل الفلسطينيين من مدينة الخليل التي كان يتواجد بها مئتا مستوطن مقابل مئة و عشرين ألف فلسطيني و ها هم بعض الفلسطينيين يشعرون بالضياع ماذا يفعلون بعد أن يذهب من أمسك استراتيجية إبادتهم بقضة من حديد؟ و في أثناء كلّ هذا و ذاك تـُدقُّ الزمور و الطبول بين سوريا و لبنان للقضاء على كلّ وجه عربي و الانزلاق بدلاً من ذلك في مخطط وصاية يسلب البلدان العربية عروبتها و طموحات شعبها بالحريّة و وضعها حيث تريد الدول الكبرى أي أن تكون الدول العربية ضدّ بعضها و أن يصبح العرب أعداءاً للعروبة فيتم اسقاط أوراق التوت عن عورات البعض ليظهروا على حقيقتهم فإذا بالذين أخطأوا بحقّ لبنان و حقّ سوريا و حق العلاقات بين البلدين يملئون الجوّ ضجيجاً عن الخلاص و النزاهة! و في جوقة رأس السنة هذه المتزاحمة بالتيارات المتكالبة على عروبة الأمة و الطامعة في خيراتها و مواردها و المستهدفة مستقبل أبنائها يسود شعور من الإحباط و اللامبالاة لدى الأكثرية التي ما تزال صامدة في صمتها و هي حائرة بين الأعداء في الخارج و بين الأعداء المنتشرين و ما بين الأضلع و خلف القلاع بينما يندفع آخرون لحالة الإحباط هذه من خلال الاندماج في مخطط من يريد اجتثاث أمننا و حقوقنا و عروبتنا و ثقافتنا و زرع شوارعنا و مدننا بالإرهاب و الاحتلال و الوصاية الأجنبية البغيضة، و لا يهمّ أن كان كلّ هذا يتمّ باسم نشر "الديمقراطية" و "الحريّة". و لكن مهلاً: فإن مرجعية شعبية عربية آخذة بالتشكـّل و لا بدّ من ولادتها سريعاً كي تتقن الأحكام في الداخل و كي يبقي طريق الحريـّة مضاءً للعرب و كي لا تعترض هذا الطريق تفرّعات بهلوانيّة تدّعي ما تدّعيه من الحرص و العطاء و لكنها تصبّ أولاً و أخيراً في خانة من يستهدف حقوقنا في الوحدة و الحريّة و الاستقلال و وجود هذه الأمّة و هويتها و وحدتها بطرق و وسائل و أساليب مختلفة و تحت أعذار لبست لبوس "أفضل الشيم الإنسانية" كما يسموّنها، و لكن مصدرها و منبتها الأساسي هو استهداف أمّة قدّمت للعالم الكثير و لكنـّها تمرّ بمرحلة تمزّق و وهن فكثر حولها الجلادون و الجزارون و القتلة و المحتلون من الخارج و ترامى بعض أبنائها أيضاً كي يكسبوا بعض الفتات و لا شكّ أن التشخيص السليم هو الخطوة الأولى التي تسبق العلاج الناجع لأزمة أمّة أنهكها وهن التجزئة و القطرية و الطائفية و الطغيان و الخيانة■