يوم تاريخي 5/5/2006
د. بثينة شعبان
8 أيار 2006
" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون "، هذه هي الآية الوحيدة التي استقرّت في ضميري وعلى لساني وأنا أتابع أخبار يوم الجمعة 5/5/2006 على أكثر من صعيد حيث ترابطت وتعانقت أسباب الأخبار القادمة إلينا من بوليفيا ومن جنيفا ومن بريطانيا بطريقة قد يصعب على الإنسان غير المتابع تصديقها، ولكن بالنسبة للإنسان المتابع كان يوم الجمعة يوماً تاريخياً أضاف لشواهد التاريخ الغنيّة والمتعددة بأن ما كان غير معقول في لحظة ما قد يصبح ممكناً جداً في لحظة أخرى، خاصةً إذا ما تضافرت الأسباب المنطقية والإرادة البشرية لصنع تلك الإمكانية. تلقيت أخبار الهزيمة المبدئية التي مُني بها زعيم حزب العمال البريطاني في الانتخابات المحليّة الأخيرة والتغيرات الحكومية التي اعقبتها، وقارنتها بالصورة التي انتشلتها من الذاكرة لملايين البريطانيين يملؤون الشوارع عام 2002، وخاصة في عام 2003، قبيل الحرب على العراق، وهم يحملون اللافتات ويهتفون ضدّ الحرب، وتذكرت الرجال والنساء الذين قدموا من أقاصي بريطانيا إلى لندن يحملون أطفالاً على أكتافهم للفت نظر الحكومة أن الحرب هي ضدّ البراءة وضدّ الطفولة وضدّ الحياة الإنسانية التي منحنا الله إياها. ولم أكد أصدّق آنئذ أن كلّ ما رأيته من تظاهرات تعبّر عن ضمير إنساني حيّ قد فشلت في تغيير رأي الحكومة في تصميمها على تأييد حرب ظالمة ضدّ شعب آمن وأمّة تاريخية تحتلّ مركز القلب في الحضارة الإنسانية. وانتشلت من الذاكرة أيضاً تساؤلاتي في ذلك الوقت ماذا تعني " الديمقراطية " إذا كان القرار السياسي للحكومة يعتمد على رأي شخصٍ أو أشخاص ويعير آذاناً صمّاء لرأي كلّ هؤلاء الملايين من الناخبين؟
كما تساءلت ما هو العمل إذا وصل قرار حكومة منتخبة إلى نقطة تناقض واضحة جداً مع آراء وتقييمات من انتخبوا هذه الحكومة في مسائل بخطورة موضوع شنّ حرب دامية؟ ولم يكن الشعب البريطاني وحيداً في وقفته هذه فقد وقفت معه الشعوب الإسبانية والإيطالية والأمريكية وشعوب أخرى في أوروبا والعالم وقفة نعتزّ جميعاً بعمقها الإنساني وحرصها على ألا تقدم حكومات دول على إدخال البشرية في هذا النفق المظلم من الحروب والعنف والإرهاب والتعذيب والسجون السريّة وقمع الرأي.
ومع ذلك فقد قادت حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا " المنتخبة ديمقراطياً " آنذاك تحالفاتٍ وقواتٍ وبدأت بشنّ حرب دموية غير مبرّرة، ليس على صدام حسين كما كان الإدعاء، وإنما على حضارة وشعب العراق نساءً وأطفالاً ورجالاً وعلماء العراق وأمن ومستقبل العراق.
ولا يستطيع أحدٌ اليوم أن يقدّر حجم الكارثة التي أصابت العراق نتيجة هذه الحرب وضربت وحدته الوطنية في الصميم وأعادته مئتي عام إلى الوراء رغم الغنى المادي والبشري الذي يتمتع به العراق. وكان الأثر الآخر لهذه الحرب هو إطلاق يد إسرائيل في مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهجيرهم وقتلهم وتصفية شعب أصيل يعيش على أرضه منذ آلاف السنين واختراع لغة ومصطلحات مضلّلة لتمرير المزيد من إرهاب الدولة المعلنة والمنظّمة ضدّ شعب بريء ولد بين ظهرانية الرسول يسوع رسول المحبة والسلام إلى البشرية. فمن يعوّض شعب العراق وشعب فلسطين عن أفدح مأساة وجريمة تطال شعبين آمنين تاريخيين حضاريين في ديارهما؟ وفي ظلال هاتين الحربين تمّ نسف كلّ ما نصّت عليه الشرعيّة الدولية من قرارات تضمن العدالة بين البشر وتحصّن الكرامة والحقوق الإنسانية لجميع شعوب الأرض. ورغم انشغال بعض الجهات بتطبيق بنود قرارات تستهدف التفريق بين الأخوة وإضعاف الجميع، بقيت قرارات هامّة وأساسية لحقوق الشعب الفلسطيني لا يجرؤ أحد حتى على ذكرها، كما مرّ قرار لجنة العدل الدولية بأن جدار الفصل العنصري الذي تقيمه إسرائيل غير قانوني ويتعارض مع حقوق السكان الفلسطينيين في أرضهم وديارهم مرور الكرام على ذاكرة العالم ليلتحف أدراج القرارات 194 و 242 و338 وكلّ القرارات تبتغي إحقاق الحقّ وضمان العدل والكرامة للجميع في الصراع العربي الإسرائيلي. كما مرّ في ظلال هاتين الحربين ألم إنساني مريع واستهانة بالكرامة والروح الإنسانية في أبو غريب وغوانتانامو وعشرات السجون السريّة الأخرى التي لا نعلم عنها شيئاً بالإضافة إلى سجون إسرائيل السريّة المليئة بالمناضلين والمناضلات الأبرياء.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى يوم 5/5/2006 قال الشعب الإسباني كلمته ضدّ تلك الحرب الظالمة وأصدق رئيس الوزراء الاسباني وعده بسحب القوات الاسبانية من العراق فوراً بعد انتخابه. كما قال الشعب الإيطالي كلمته أيضاً بالتصويت لمناهضي الحرب في إيطاليا، وهاهو الشعب البريطاني يقول كلمته العليا والمتصاعدة ضدّ الحرب وضدّ الألم والشرّ كما أن الشعب الأمريكي يقول كلمته من خلال المظاهرات المتتابعة والكتابات النزيهة التي يحاول البعض إيصالها إلى ضمير العالم. وما استقالة كارل روف وبورتر غوش، مدير جهاز الاستخبارات الأمريكية، إلا خطواتٍ خجولة لمعالجة أزمة متفاقمة في الولايات المتحدة تتمثل بتنامي وعي الشعب الأمريكي للأضرار الجسيمة لهذه الحرب على الأسر الأمريكية والأسر العراقية، وتصميمه المتصاعد على وضع حدّ لهذه المأساة التي زُجّ فيها بعضُ شباب أمريكا وكُلّ شباب ونساء وأطفال وتاريخ العراق. أما أن يتزامن تقرير منظمة حقوق الإنسان حول التعذيب الأمريكي للسجناء مع كلّ هذه الأحداث وأن ينصّ التقرير على أن " معظم التعذيب والمعاملة السيئة ناجم مباشرةً عن إجراءات وسياسات مسموح بها رسمياً بما فيها أساليب التعذيب التي وافق عليها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد " ، كما قال خافير زونيكا مدير البرنامج الأمريكي لمنظمة العفو الدولية، فهذا أكثر مما كان متوقعاً أن يجود به يومٌ واحد من المفارقة التاريخية التي تكشف الوهن الذي أصاب " الديمقراطية " الأمريكية لكي تتحول إلى استخدام الأساليب الستالينية من سجون سريّة، واعتقالات على الشبهة، وتعذيب، ودور مخابراتي واسع الصلاحيات يقمع الآراء المناهضة لرأي الحكومة، ويدوس على الحريات الفردية والقرارات الدولية.
إنّ التعذيب في سجون إسرائيل كان النموذج الذي بنت عليه القوات الأمريكية أساليب التعذيب في العراق وإن إلحاق عقوبة سجن خمسة أشهر بمن يعذب أو يقتل عراقياً (وهي العقوبة التي ينالها الأمريكي لسرقة دراجة) تعيد إلى الأذهان مهزلة المحاكمات الإسرائيلية التي تستبيح حياة وأرض وحقوق شعب فلسطين وتُحلّل إبادتهم جميعاً. ورغم الادعاء بالتحضّر و " الديمقراطية " فإنّ قادة حكومات غربية يحكمون بالإعدام كلّ يوم في العراق وفلسطين على عشرات المدنيين الأبرياء أمام نظر العالم وعلى مسامعه. مفارقة مضي زعماء الحكومات الغربية يقودهم بوش إلى الحرب والتعذيب رغم معارضة الملايين من ناخبيهم، وتشبثهم في مناصبهم وسياساتهم رغم نتائج استطلاعات الرأي ونتائج الانتخابات البلدية تتكرر من بلد غربي إلى آخر لتثير تساؤلاً جدياً عن " الديمقراطية " التي تنتخب زعماء يمارسون بحريةٍ تامةٍ سياسات ترفضها شعوبهم. ويعود التساؤل عندما لا أرى أي إدانة من بوش أو بلير أو أنان أو سولانا وغيرهم من الذين يسارعون إلى إدانة أي تصريح لأحمدي نجاد أو حزب الله، ويرفضون التعامل مع الحكومة الفلسطينية المنتخبة ديمقراطياً، لا أرى إدانتهم لدعوة الإسرائيلي ليبرمان حكومته إلى إعدام النواب العرب الإسرائيليين الذين " أجروا اتصالات " مع نواب ووزراء حماس المنتخبين ديمقراطياً. أية دروس في " الديمقراطية " يرسلها الزعماء الغربيون هذه الأيام للعرب؟ وفي المقابل، أية دروس في الحضارة ترسلها الأمة العربية للغرب فمنذ ألف عام يسمّي العرب دور العبادة في قلعة الحصن السورية القريبة من مدينة حمص " بيت العبادة " لكي لا يختصّ بها مسلم عن غيره، نقش على حجره " قل كلٌ يعمل على شاكلته " أي ليعبد كلّ إنسان ربه بالطريقة التي يشاء ويرتضي. هذه المنطقة تحتفظ في كنائسها بالعهد الذي أرسله سيدنا محمد (ص) إلى كلّ النصارى والذي يأمر فيه " بألا يُنفى أُسقف عن أُسقفيته، ولا نصراني عن نصرانيته ولا راهب عن رهبانيته ولا سائح عن سياحته ولا راهب عن صومعته ولا يُهدمُ بيت من بيوت كنائِسهم ولا يدخل شيئاً في بناء المساجد ولا في منازل المسلمين، فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسول الله وخان ذمّة الله " وقد أرسل هذا العهد في يوم الاثنين بعد أربعة أشهر للسنة الرابعة للهجرة، أي منذ أربعة عشر قرناً ونيف، إلى دير القديسة كاترينا في مصر وإلى القدس وإلى مار جرجس في سورية. رسالة السلام العربية مقابل رسائل الحرب والعدوان والتعذيب الغربية. ومن علامات الزمان: أن هناك دائماً طغاةً ودعاة حروب ومجرمين يبيحون التعذيب والإبادة ويبررون ذلك بلغة منمّقة، ولكن أيضاً من علامات الأزمنة أنّ الشعوب تنتصر في النهاية لحريتها وكرامتها وحقوقها. ولينظر العرب والمسلمون إلى إيفو موراليس وشافيز وسيلفا دي لولا وكير شنر الذين يعيدون ثروات بلادهم إلى شعوبهم ويصونون كرامة هذه الشعوب في وجه حملة عاتية فيما يتساقط الطغاة الواحد بعد الآخر. ولندعو العالم لفتح أبواب السجون، السريّة منها والعلنية، بما في ذلك في إسرائيل عن النساء والرجال والأطفال، بمن فيهم أصغر سجين فلسطيني الذي وُلد سجيناً ويعيش سجيناً وهو طفل لم يبلغ الثانية من عمره. فهل هذا ما يمكن أن يفتخر به المنتخبون في " واحة الديمقراطية " الغربية بإسرائيل؟■