لطيف مع الأشخاص، حازم في القضايا
د. بثينة شعبان
24 نيسان 2006
علّ أهم قاعدة في الدبلوماسية الأمريكية هي أن يكون الدبلوماسي أو السياسي "لطيفاً مع الأشخاص وحازماً في القضايا" وتسبّب هذه القاعدة بلبلة وإرباكاً لأبناء الثقافات الذين اعتادوا أن يمزجوا بين التعامل الشخصي والموقف من القضايا والذين لم يتمّ تدريبهم على الفصل بينهما. ولذلك غالباً ما يتم تفسير مواقف معينة بمعاني مختلفة جداً وغالباً ما يكون الغموض متعمداً من الجانب الغربي كي يتم تفسيره في الزمن والطريقة التي تخدم أغراضاً بعينها. كانت كلّ هذه المسائل تجول في خاطري وأنا أراقب بعض المسؤولين العرب مؤخراً يكررون أخطاء سابقيهم الذين اعتقدوا أنهم قد أصبحوا أنداداً لمن لا يمانع، من الزعماء الغربيين، في التعبير عن غاية اللطف تجاههم، وحتى التواضع لهم إذا اقتضى الأمر، مقابل تحقيق الهدف المرجوّ من اللقاء، والذي دون شك يخدم الغايات الغربية لا غاياتهم. وفي الوقت الذي سوف ينسى العالم طريقة وحرارة الاستقبال لن ينسى نتائج هذا اللقاء والتي غالباً ما تستلب من العرب كأمة جزءاً من حقهم أو إرادتهم مقابل لطف متعمّد ومدروس مع أحد زعمائهم. وفي تعاملها مع المسؤولين العرب تستخدم القيادات الغربية علماء النفس والاجتماع واللغة كي تتوصل إلى أفضل النتائج المرجوّة من الاجتماعات واللقاءات بحيث يتمّ تحويل المسؤولين العرب إلى أشخاص لكلّ ملفّه الذي يحدد نقاط ضعفه ومفاتيح شخصيته بينما تبقى القضايا التي تواجه العرب قضايا صعبة لا يستطيعون معالجتها من خلال أفراد لأن الأفراد على الضفة الأخرى يرون أنفسهم حاملين لقضايا لا يتصرفون بها إلا بما تقتضي المصلحة العامة التي يمثلونها بالنسبة لهذه القضايا. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كنا نسمع أثناء مفاوضات السلام بعض أعضاء الفريق الأمريكي يعرض على بعض الفرقاء العرب أنهم إذا قدموا تنازلاً حول هذه النقطة أو تلك فإن الرئيس الأمريكي قد يجري "اتصالاً هاتفياً" مع زعيمهم، وحتى أنهم قد يسمحوا للخبر أن "يتصدر صفحات الجرائد" مدركين من خلال مثل هذا العرض أن هؤلاء المسؤولين العرب يحاولون إقناع شعوبهم بأهميتهم وجدارتهم من خلال تواصل مسؤولين كبار في الغرب معهم، وأنهم أحياناً يستمدون شرعيتهم أو قيمتهم من معادلات لا علاقة لها بإخلاصهم لقضاياهم أو لشعوبهم. وفي هذا السياق أتذكر جيداً حين زار عضو الكونغرس الأمريكي، أرنولد سبيكتر، الرئيس حافظ الأسد رحمه الله تعالى بعد توقيع اتفاق أوسلو بين عرفات ورابين، وخاطبه قائلاً: "سيادة الرئيس لو قمت بتوقيع مثل هذا الاتفاق لوجدت صورك على الصفحات الأولى في كلّ جرائد العالم". فأجابه الرئيس الراحل: "أولاً لا يهمني أن تظهر صورتي في الصفحات الأولى من جرائد العالم وثانياً إذا أردت توقيع اتفاق سلام فيجب أن يكون سلاماً يدافع عنه شعبي حتى بعد موتي".
أما اليوم فماذا يعني لنا أن يقول الرئيس بوش "أن لبنان أنموذج للشرق الأوسط" هل يعني أنه سوف تتم لبننة بقية بلدان الشرق الأوسط لصالح تحويل إسرائيل القوة الموحدة المهيمنة فيه، كما تمت لبننة العراق بعد احتلاله وقتل مئات الآلاف من أطفاله ونسائه ورجاله، وتحويله إلى فرق طائفية متقاتلة متحاصصة عاجزة عن خلق نظام سياسي ديمقراطي حقيقي يعبر عن وحدة الشعب وقضاياه بعيداً عن الاعتبارات العرقية والطائفية، وبعيداً عن الاعتبارات المصلحية لبعض الانتهازيين من السياسيين المرتهنين لهذا السفير أو ذاك؟ أم أنه يعني أن من يثلج صدر رئيس الولايات المتحدة لدرجة يربت بيده على كتفه، وهي بالمناسبة اليد نفسها التي وقعت على منع المساعدات عن الشعب الفلسطيني، سيصبح أنموذجاً يحتذى لكلّ من يرغب كسب ودّه فيدعوه لزيارة واشنطن هو من يدفع ثمن الزيارة مقدماً باتجاه ملاحقة المقاومة وتجريدها من أسباب الاستمرار، ومن يبيع لقاء هذه الزيارة علاقات الجوار والقربى مع بلد تجمعه كلّ أواصر المصالح المشتركة والمصير المشترك.
في غمرة نشوة السير جنباً إلى جنب مع الرئيس الأمريكي، وبالطبع سيتلو ذلك دعوات من رؤساء غربيين أُخر، توحّد الموقف بين زعيم عربي وآخرٍ ممتن لآخر غربي لا تربطه بمصلحة العرب رابطة، تمرّ أيام حالكة على العرب منها يوم الأرض ويوم الأسير وتمضي الأيام ثقيلة على فلسطين والعراق وعلى آلاف الأسرى في سجون الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي وعلى أسرهم وأسر الشهداء المضحين من أجل كرامة هذه الأمة بينما يخشى بعض الزعماء العرب استقبال البعض من إخوانهم المغضوب عليهم إسرائيلياً، وبالتالي أمريكياً خشية انزعاج الرئيس الأمريكي، فلا يدعوهم للقائه لمدة خمس دقائق كالعادة في واشنطن في الوقت الذي استقبلتهم تركيا وروسيا وتفكّر دول أوروبية و ((غير عربية)) أخرى باستقبالهم لأنهم لم يرتكبوا ذنباً سوى النجاح بانتخابات حرّة ديمقراطية والتمسك بحقوقهم الوطنية في الأرض والحرية والاستقلال.
والسؤال هو متى سوف يخلع بعض المسؤولين العرب رداء الأنا المتضخّمة ليؤمنوا أنهم عابرون، وأنّ أهمّ ما يمكن أن يفعلوه في زمن العبور هذا هو التوحد مع قضاياهم وخدمة هذه القضايا كي يسلموها للأجيال القادمة غير منقوصة، ويعلّموا هذه الأجيال كيف تصون الأمانة وتدافع عنها؟ وإذا كان لا ضير أن يتعلم المرء من أعدائه أفلم يلاحظ بعض المسؤولين العرب كيف سقط شارون خارج العملية الإسرائيلية دون أن يتأثّر بطش الاحتلال ودون أن تتقلص أو تتراجع المخططات الاستيطانية ودون أن تتأثّر وتيرة قضم الأراضي أو قتل الأطفال أو حشد العالم ضدّ الحكومة الفلسطينية المنتخبة؟ مَن من العالم يتحدث عن مسؤولي الدولة الغاصبة كأشخاص؟ الجميع يتحدث عن أمن إسرائيل ومستقبل إسرائيل ومخططات إسرائيل. فمتى سيتحول بعض المسؤولين العرب إلى قادة محمّلين فقط بقضايا شعوبهم بدلاً من أن يكونوا مفعمين بنقاط ضعف شخصية تبحث عن علاجات لها في من يربت على كتفهم في واشنطن أو مصافحة إعلامية في باريس أو أضواء ساطعة هنا وضجّة صاخبة هناك يتم استحداثها عن عمد وسابق إعداد كي ترضي غرورهم على حساب إخفات أضواء قضايانا المصيرية وإخماد صوتها، ليس في ضمير المسؤول المؤقّت فقط، وإنما في أعين وضمائر شعوب العالم!
يكاد المرء لا يصدّق وهو يراقب المسرحيات السياسية من استقبالات واهتمام إعلامي مدفوع الثمن وكأنه يراقب أطفالاً في السياسة يحتاجون إلى عمرٍ كي ينضجوا وكي يصبحوا قادرين على حمل قضاياهم بجدارة واقتدار، بعيداً عن "الأنا" الصغيرة والتي يجب أن تكون اختفت قبل أن يتنطّع المعنيون للسياسة الدولية لحمل ملفات تخصّ شعوباً وأوطاناً وتشكّل مسؤولية جسيمة على ضمير كلّ من يفهم ويقدّر حجم المسؤولية. إنّ قضايا الشعوب التي انتصرت وجدت أولاً رجالاتٍ ذابوا في قضاياهم واعتبروا الحياة أو الموت ثمناً زهيداً لانتصار قضية شعبهم. أما أن تتحول قضية أمة وقضية شعب إلى ورقة مساومة على حفل غداء رسمي مع زعيم غربي، أو زيارة لعاصمة غربية، أو خبر إعلامي، فهذا ليس دليل عافية أو وعي أو نضج أو ارتقاء بمستوى المسؤولية. والمراقب النبيه للمعادلة الجارية أمامه يرى أنّ المسؤولين في الغرب، مهما علا شأنهم، مستعدون أن يتواضعوا إلى أبعد الحدود على المستويات الشخصية خدمةً لقضاياهم، ولكنهم ليسوا مستعدين أن يتنازلوا أو يهادنوا على هذه القضايا. كيف يشعر من يطبّق عكس المعادلة بحيث يكون متهاوناً بقضاياه من أجل ملء بعض الفراغات في داخله؟ كم يشعر المرء بالحزن على من يواجهون الدبابات بصدورهم ويرفضون التخلّي عن إيمانهم بهذا الأمة حين يرى أن من يُعوَّلُ عليهم وممن يُسمَّون بالزعماء، وما هم بزعماء، لحمل قضاياها الكبرى، يفرحون كالأطفال يوم العيد بوليمةٍ على شرفهم وبمصافحةٍ إعلامية، متناسين شرف من يمثلون من قضايا مقدسة وشعوب تقع ضحية تنازلاتهم السخية.