طريق التحدّي
د. بثينة شعبان
17 نيسان 2006
في أول رد فعل على إعلان إيران امتلاكها التقنية لتخصيب اليورانيوم صرّح البيت الأبيض أن إيران قد اختارت "طريق التحدّي" ولا شكّ أنّ إيران قد واجهت تحديات علمية وتقنية تسجلها لها الأجيال القادمة حين يعترف الجميع في العقدين القادمين أن امتلاك الطاقة النووية السلمية أساسي لنهضة الأمم في كافة المجالات وهذا بالذات ما تدركه الولايات المتحدة وأوروبا وجميع الدول المتقدّمة. وحتى وفق تقديرات هذه الدول فإن إيران لن تتمكن من امتلاك قنبلة نووية قبل أقلّ من عشر سنوات حتى إذا أرادت ذلك رغم أنّ التصريحات الرسمية الغربية تُشير إلى 15 شهراً وإلى 3 أشهر أحياناً ولكن لا مصداقية لها بعد أن افتضح أمر التصريحات المماثلة حول العراق. وجميع أولي العلم يدركون أنّ الخطوة التي أنجزتها إيران هي خطوة علمية وتقنية هائلة قامت بها أمم أخرى قبلها مثل الهند وكوريا والصين. إذاً هل تُثار كلّ هذه الضجّة لأنّ بلداً مسلماً قد أخذ هذه المرّة بناصية العلم والتقنية النووية وأصبح على مسار يوصله إلى مصافّ الدول المتقدمة في هذا المجال؟ أولهذا السبب تمّت تصفية العلماء العراقيين جسدياً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق كي لا تقوم لهذا البلد قائمة لعشرات السنين؟ ومن جوانب الحرب التي تُشنُّ اليوم من قِبَل القوى الغربية جميعاً ضدّ المسلمين حرب على الجبهة الفكرية والعلمية والتقنية بهدف حرمانهم من امتلاك أدوات المعرفة والتقنيات الحديثة حيث يتمّ حرمان الطلبة المسلمين من ولوج أقسام واختصاصات علمية وهندسية في الجامعات الغربية والتضييق عليهم وحرمانهم من وصول موقع مساوٍ لزملائهم في الغرب ويترافق هذا مع حرمان الدول العربية والإسلامية من استيراد ما تحتاجه من تقنيات حتى لأسبابٍ طبيّة وإنسانيّة وكلّ من يعمل في مشافي الأراضي الفلسطينية المحتلة وحتى في الجامعات ومعاهد الأبحاث يُدرك معنى ما أقوله هنا.
لا شكّ أنّ إيران لا تُشكّل اليوم تهديداً للأمن الوطني الأمريكي كما لم يُشكّل العراق يوماً تهديداً له وكلّ ما فعلته إيران، وما فعله العراق قبل الاحتلال، هو المطالبة بتحرير المسجد الأقصى من براثن الاحتلال الأجنبي والتأكيد على حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلّة. ولكنّ الولايات المتحدة الواقعة تحت النفوذ القوي للوبي الإسرائيلي تقوم بدور الجبهة الأمامية للحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ قرن على العرب، وتتحمّل عالمياً وزر تنفيذ الأهداف الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية باغتصاب المزيد من الأرض العربيّة، وقتل المزيد من العرب، بهدف إقامة إسرائيل الكبرى المدججة بكل وسائل البغي والعدوان.
إذا فصلنا العنصر الإسرائيلي من معادلة الموقف الأمريكي، من إيران هذه المرّة، وقبلها العراق، وسورية والسودان ولبنان، وفلسطين دوماً، مروراً بمصر والسعودية واليمن، وغيرهم من العرب دوماً، هل يبقى هناك سبب وجيه لقلق الولايات المتحدة من امتلاك إيران التقنية النووية أكثر من قلقها من امتلاك كوريا أو الهند أو الصين التقنية النووية نفسها مثلاً؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تنخرط في هذا الملف بكلّ هذا الاندفاع لصالح إسرائيل، فلصالح من ينخرط الآخرون الذين يعبّرون عن قلقهم من امتلاك إيران التقنية النووية في المنطقة بينما تمتلك إسرائيل، وبشكل مؤكد، مئات الرؤوس النوويّة الموجّهة لكل العواصم والمدن العربية، وهي التي تحتلّ الأرض المقدّسة في فلسطين وترتكب المجازر يوميّاً وتقتل الأطفال وتهجّر السكان الأصليين يوميّاً لتستقدم مستوطنين أوروبيين وأمريكان بدلاً منهم؟! كيف يمكن أن تخشى حكومات مسلمة امتلاك إيران أو باكستان للتقنية النووية ولا تخشى امتلاك إسرائيل المؤكّد للأسلحة النوويّة، رغم أن إيران أعلنت ومنذُ اللحظة الأولى معاهدة عدم اعتداء مع كلّ جيرانها، بينما تشنّ إسرائيل الحرب بعد الأخرى ضدّ العرب وتستخدم يوميّاً آخر أنواع الأسلحة ضدّ العرب لإبادتهم في فلسطين. لنقارن الموقف السلبي للدول الإسلامية تجاه سعي إيران لامتلاك التقنية السلمية النووية بالموقف الغربي من سعي إسرائيل، التي يعتبرونها جزء من "الغرب"، لامتلاك ليس فقط التقنية بل والأسلحة النوويّة الفتّاكة: فقد تمّ تزويدها بالتمويل اللازم، وبالعلماء والخبراء والتقنيات، وقامت بريطانيا بتزويدها عبر النرويج بالماء الثقيل، فيما تكفّلت كلّ من فرنسا والولايات المتحدة بتقديم المفاعلات النووية، وقامت ألمانيا بتزويدها بالغواصات اللازمة لحمل الصواريخ النوويّة، وتعانوا كلهم على البغي والعدوان بتوفير اليورانيوم، والمعدّات وأيضاً الغطاء الدولي للتسلح الإسرائيلي النووي!
ولذلك فإنّ المسلمين مدعوّون اليوم إلى نبذ الاختلافات المذهبية الفكرية المتعلقة إما بالاختلاف الفقهي أو بالأصول التاريخية للاختلافات السياسية القديمة، والعمل على القواسم الشرعية المشتركة بينهم كما فعلت الدول الغربية المختلفة مذهبياً، ولكنها المتحدة حالياً تحت راية محاربة الإسلام كائن من كان يحمل رايته: سنيّاً أم شيعيّاً، متطرفاً أم معتدلاً، ناشطاً أم فقيهاً، وبدون ذلك لن يشكّلوا يوماً مجموعة دولية تستدعي احترام العالم لهم جميعاً. ومن الصعب على حكومة الولايات المتحدة اليوم في ضوء الهيمنة التي يفرضها اللوبي الإسرائيلي على مفاصل السلطات التشريعية والتنفيذية والإعلامية الأمريكية أن تعيد حساباتها في الحروب التي تخوضها نيابة عن إسرائيل ضدّ المسلمين، ومن الصعب جداً أيضاً، وهي تتمتع بكل هذا الجبروت من القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، أن تكون أكثر واقعية بحيثُ تبعد مخابراتها وآلتها العسكرية عن لوي عنق التاريخ بهدف خنق وإسكات ملايين البشر اللذين يطالبون بحقّهم المتكافئ والمتساوي مع كلّ إخوانهم في الإنسانية لصالح زمرة لا تعرف سوى القصف والتدمير والتهجير والقتل أسلوباً للعيش مع الجوار ولبناء دولة على أنقاض فلسطين والعراق وعلى أشلاء أطفال يتضرجون في دمائهم من دير ياسين إلى صبرا وشاتيلا، إلى قانا، إلى جنين وغزّة إلى محمد الدرّة وآخرهم وليست الأخيرة هديل محمد غبن ذات الثماني أعوام التي قتلها إصرار ألمرت وموفاز على جعل القدس عاصمة لإسرائيلّ! تقرير حركة بتسليم الإسرائيلية كشف إن الجيش الإسرائيلي قتل، منذ عام 2000 فقط، (1816) مواطناً فلسطينياً لم يشاركوا في الكفاح المسلح بينهم 593 طفلاً وذلك قبل استشهاد الطفلة هديل وثلاثة أطفال آخرين في الأسبوع الأخير. إذا كان القضاء البريطاني قد توصّل إلى الاستنتاج بأنّ الإعلاميين البريطانيين توماس هوراندل وجيمس ميللر قد قتلا بشكلٍ متعمّد وانه يطالب بمحاكمة من قتلهما كمجرمي حرب فإنه من المؤكّد أنّ آلاف الفلسطينيين ومنهم مئات الأطفال قد قتلوا بشكلٍ متعمّد من قبل القوات الإسرائيلية، فيما تستمر الإدارات الأمريكية المتعاقبة على دعم من يرتكب المجازر ويهجّر السكّان ويحتلّ الأرض ويقتل الأطفال.
إذاً على المسلمين تلمّس أي معالم تقودهم إلى مسار وحدة المواقف، على الأقل السياسية والدولية، بوجه حملة الإبادة لوجودهم الدولي. وعليهم محاولة خلق عوامل وحدة الصف، على الأقل تقديم الدعم المتبادل على المستوى الدولي، وعليهم نبذ عوامل القلق بين بعضهم البعض التي يثيرها الغرب بهدف شقّ الصفوف، وعليهم السعي لإعادة النظر بالموقف الدولي المتصدّع الحالي للدول الإسلامية جميعاً على ضوء ما تطلبه الشريعة من تعاون وتعاضد على البر والتقوى بوجه البغي والعدوان. إن تخلف المسلمين ومنهم العرب عن ركب العلوم والتكنولوجيا عامل أساسي في الاستهانة الغربية بهم وانتهاك مقدّساتهم واحتلال بلدانهم. ويتلخص جوهر السياسة الغربية حيالهم اليوم في وصمهم جميعاً، أفراد وشعوباً وأنظمة، بالإرهاب والتطرّف وأي ذريعة أخرى من أجل الانقضاض عليهم وحرمانهم من منتجات العلم والمعرفة، والإبقاء على احتلال أراضيهم ونهب ثرواتهم وعدم التعامل معهم بنديّة في المحافل والقضايا الدولية. إن إنقاذ كرامة الإسلام، وحقوق ومصالح وحياة المسلمين، يعتمد على قبولهم مبدأ التحدّي العلمي والحضاري ومواجهته بالفكر والمنطق والعمل الدؤوب والهادف. وإذا كانت الولايات المتحدة قد وصفت إيران بالسير في طريق التحدّي فلا شكّ أنّ هذا هو الطريق الذي تحتاج أن تسلكه الأمتان العربية والإسلامية بعيداً عن الخضوع للحرب النفسيّة التي تُشنُّ ضدّهم ومحاولات تفريقهم والاستهانة بمقدراتهم وشعوبهم وحضارتهم■