حالة الإنكار.. إلى متى ؟
د. بثينة شعبان
3 نيسان 2006
كتبت في الأسبوع الماضي مقالي الأسبوعي بعنوان: " أول ضوء في نهاية نفق مظلم" و قصدت بذلك البحث العلمي الموثقّ الذي قام به الأستاذان الكبيران جون ميرشيمر من قسم العلوم السياسية في جامعة شيكاغو و ستيفن والت، عميد مدرسة كنيدي للحكم في جامعة هارفارد، و أشرت إلى استغرابي من تجاهل الإعلام العربي لنتائج بحثهما: "هاهم أساتذة أمريكيون يصرفون الوقت و الجهد، و ربما يغامرون بمواقعهم الجامعية، لينشروا بحثاً كنا جميعاً نرى دلالاته دون أن نمتلك وثائقه و مؤشرات تغيراته الحقيقية" و لكن، و رغم معرفتي الجيدة بتفاصيل ما يجري في الغرب من سيطرة إعلامية مخجلة على الإعلام الغربي بشكل تمنعه من قول الحقيقة، لم يكن ليخطر لي على بال بأن جامعتين أميركيتين وقورتين كجامعة هارفارد و شيكاغو يمكن أن تقدما على سحب اسميهما عن هذا البحث الذي يمتلك أفضل مقومات البحث العلمي الدقيق و الذي يتوصل إلى نتائج موضوعية واضحة و مبنية على وثائق و دلائل لا يمكن دحضها بالعقل و المنطق. و لكنّ اللوبي السياسي الإسرائيلي، المدعوم من قبل إدارة الرئيس بوش، شنّ فوراً هجومه المعهود على الأستاذين في محاولة لكمّ الأفواه و خنق حرية التعبير، كبرهان مفحم على النتائج التي توصل إليها الباحثان في جوّ من الإرهاب الفكري و السياسي منع و ما يزال يمنع الأوساط الإعلامية و السياسية و الفكرية و الجامعية من إجراء نقاش موضوعي و سليم عن الصراع العربي-الإسرائيلي. و هكذا يلوح العالم الغربي مقفراً بالرأي الأوحد حول هذا الصراع بسبب الأعقاب الحديدية للابتزاز الذي يمارسه المتطرفون في الغرب باتهام كلّ من يخالفهم الرأي بشأن هذا الصراع بمعاداة السامية. و تبدو القوى المؤيدة لإسرائيل مصرّة على حالة إنكار مشوّهة للواقع و الحقائق في الشرق الأوسط، و لذلك تنفق المليارات على الحروب و الفضائيات و العملاء لتخلق تصوراتٍ و مفاهيم مغلوطة عن الواقع.
لقد برهنت أوساط اللوبي الإسرائيلي في الحملة التي شنتها على هذا البحث أنها وراء إخماد أي أصوات معارضة و هي التي تقف حائلاً دون مناقشة السياسة الخارجية الأمريكية في الإعلام الأمريكي و هي تطلق عن إرهاب و سابق ابتزاز تهم "معاداة السامية" أو " النازية الجديدة" على كلّ من ينتقد سياسات إسرائيل و على كلّ من يحاول أن يلفت نظر الجمهور الغربي إلى حقيقة ما يجري في الشرق الأوسط بعيداً عن المزاودات بشأن أمن إسرائيل و حمايتها.
و إذا كان وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد قد اعترف أمام طلاب الكلية الحربية التابعة للجيش الأميركي في ولاية بنسلفانيا بأن الولايات المتحدة تستحق " درجات ضعيفة في معركة الأفكار التي تجري في العالم اليوم" فإن السبب واضحٌ أمامه و هو الترهيب الفكري و الابتزاز السياسي و الإقصاء من العمل لكل سياسي أو باحث أو إعلامي يحاول أن يقول الحقيقة كما هي بعيداً عن التضليل الإعلامي الخطير الذي تمارسه جماعة اللوبي الإسرائيلي، و الذي أصبح خطيراً ليس على منطقة الشرق الأوسط فقط و إنما على مصلحة الشعب الأمريكي و مصلحة السلم و الأمن الدوليين. و إذا كان الباحثان قد ذكرا حقيقة أنه لا يمكن نشر نتائج بحثهما في أي وسيلة إعلامية غربية و إن هناك منهجية إسكات أي صوت يتكلم لغة مختلفة عما يريده اللوبي الإسرائيلي يمكن لنا أن ندرك حجم المشكلة الموجودة اليوم في العالم نتيجة حالة الإنكار هذه و الاعتداد الأعمى بكلّ ما تروّج له الدعاية الصهيونية خوفاً من ابتزازها و إرهابها المعلن.
و لنبدأ من البداية فالصراع في الشرق الأوسط ليس صراعاً دينياً فقد عاش اليهود مع العرب لقرون طويلة و تبوأوا مواقع في الدولة العربية و عوملوا معاملة حسنة منذ فجر الإسلام و لكنّ المشكلة هي في جوهرها مشكلة استعمار تقليدية تتعلق بالأرض و المياه و استيطان بغيض يقتل و يهجّر السكان الفلسطينيين الأصليين و يأتي بمستوطنين من شتى أنحاء العالم ليحلوّا مكانهم، و يتم كلّ ذلك من خلال حملات تطهير و مجازر و قتل و سجن و تقطيع أوصال الأرض و دفع الفلسطينيين إلى الشتات بشتى الوسائل على الطريقة التي شهدتها مناطق عديدة في العالم خلال الحقبة الاستعمارية. و يعتمد اللوبي أسلوب التباكي على أمن إسرائيل مذكرين بالمحرقة و مدعين بأن العرب يريدون تدمير إسرائيل و تستخدم "معاداة السامية" أو "النازية الجديدة" لإلصاق التهم بكلّ من يتجرأ على انتقاد إسرائيل حيال العرب أو أعمال اللوبي الإسرائيلي ضد المصلحة الأمريكية. و هنا تمّ إدخال الحرب على الإرهاب مدخلاً خطيراً و متشابكاً مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية بحيث عمدت هذه القوى المؤيدة لإسرائيل ذاتها على وصم كلّ المسلمين بالإرهاب ووصم كل الفلسطينيين بأنهم مشتبه بهم لتبرير قتل من تريد و تهجير من ترغب و الاستيلاء على الأرض الفلسطينية.
يؤكد الباحثان والت و بيرشيمر أن الولايات المتحدة حاولت التخفيف من المشاعر العربية المعادية للولايات المتحدة من خلال إيقاف سياسات إسرائيل الاستيطانية في الأراضي المحتلة و الحديث عن خلق دولة فلسطينية و أنه في أيار عام 2003 أظهرت استطلاعات الرأي أن 60 بالمئة من الأمريكان مستعدون لإيقاف الدعم إلى إسرائيل إذا قاومت ضغط الولايات المتحدة لإنهاء الصراع و أن الرقم ارتفع إلى 70 بالمئة بين الأمريكيين النشطاء سياسياً ، و أنّ 73 % من الشعب الأمريكي قال على الولايات المتحدة ألا تنحاز لأي طرف. و يستعرض الباحثان بعدها الجهود التي بذلها اللوبي الإسرائيلي في واشنطن لإقناع الإدارة الأمريكية بمقاطعة عرفات و إقناع الإدارة بدعم كلّ ما تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين و أن تقف الولايات المتحدة بقوّة خلف كل ما تفعله إسرائيل و كيف إن الكونغرس تحرك لدعم شارون، و في 2 أيار 2003 كيف تجاوز الكونغرس اعتراضات الإدارة الأمريكية و اتخذ قرارين يعيدان تأكيد دعم إسرائيل، حيث نص القراران أن "الولايات المتحدة تدعم إسرائيل" و أن إسرائيل و الولايات المتحدة "تنخرطان الآن في صراع ضدّ الإرهاب" و أدان القرار الدعم المستمر للإرهاب من قبل ياسر عرفات. و في 9 أيار اجتمعت لجنة الحسابات لإعطاء إسرائيل 200 مليون دولار لمكافحة الإرهاب. "و هكذا انتصر شارون و اللوبي على رئيس الولايات المتحدة" كما تقول الدراسة. بل إن برنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي، صرح في تشرين أول 2004 بأن شارون "قد تحكّم ببوش في إصبعه الصغير" إذا حاول الرئيس بوش الإقصاء بسياسة الولايات المتحدة عن إسرائيل، أو حتى إذا انتقد الأعمال الإسرائيلية في الأراضي المحتلة فسيواجه حكماً غضب اللوبي الإسرائيلي و مؤيدوه في الكونغرس" و لهذا عمل جون كيري جاهداً خلال حملته الانتخابية 2004 ليظهر دعمه لإسرائيل و هذا ما تحاول فعله الآن هيلاري كلينتون.
كما يؤكد الباحثان أن الحرب على العراق و استهداف سورية و إيران كلها تقع ضمن خطة استهداف أعداء إسرائيل في المنطقة و يستنتج الباحثان أنه لو لم تكن هناك لوبي إسرائيلي لما كان هناك قانون محاسبة سورية لأن الضغط على دمشق هو استجابة لجماعات الضغط الإسرائيلية و المسؤولين الإسرائيليين، و لولا هذا اللوبي لكانت سياسة الولايات المتحدة حيال دمشق أكثر انسجاماً مع المصالح الوطنية الأمريكية.
لقد كان العرب و الشعب الأمريكي الضحايا الحقيقيين لأحداث الحادي عشر من أيلول و ما تبعها من سياسات أملاها اللوبي الصهيوني على السياسة الخارجية الأمريكية. و إذا كانت وزيرة الخارجية الأمريكية قد اعترفت بارتكاب آلاف الأخطاء في العراق فإني أقول لها أن هذه الأخطاء لم تكن تكتيكية بل جوهرية فهي أدت إلى مقتل الألوف من العراقيين و الأمريكيين و إهدار المليارات على الحرب بدلاً من التنمية و هي ناجمة عن سياسة إخماد الأصوات التي لا تتناغم مع أهداف اللوبي الإسرائيلي في تبرير الاحتلال و الاستيطان و استمرار حالة الإنكار التي غدت خطراً عظيماً يهيمن على السياسة الغربية في الشرق الأوسط. و السؤال الملح هو هل ستنتظر السيدة رايس إلى أن ترتكب آلاف الأخطاء الأخرى في فلسطين و لبنان و إيران قبل أن تتمّ مراجعة ملفات الشرق الأوسط بطريقة علمية متزنة كما فعل الباحثان القديران والت و ميرشيمر؟ و هل ستقرّر السيدة وزيرة خارجية الدولة العظمى الوحيدة في العالم إنّ السياسة الأمريكية نحو الشرق الأوسط يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ما يقوله أكثر من خمس و تسعين بالمئة من سكان الشرق الأوسط و ما يقوله باحثون جادّون في هارفارد وشيكاغو و ليس ما تقوله قلة عنصرية حاكمة في إسرائيل تعمل من خلال أذرعها و أموالها و مجموعات ضغطها على توريط الولايات المتحدة في جريمة تفتيت هوية الشرق الأوسط و تحويله إلى كيانات عرقية و طائفية متناحرة ضاربة بمصلحة شعوب المنطقة و مصلحة شعب الولايات المتحدة ذاته عرض الحائط ؟
انتهى