أول ضوء في نهاية نفق مظلم

د. بثينة شعبان

27 آذار 2006

 

بعد ثلاث سنوات من الحظر الذي فرضه الرئيس بوش على الصحفية الأمريكية من أصل عربي هيلين توماس، وفي أول مناسبة سمح لها بتوجيه سؤال في مؤتمره الصحفي، انبرت أشهر صحفيي وصحفيات البيت الأبيض لتوجّه للرئيس بوش سؤالاً يسبب له أكبر إرباك شهده في مؤتمراته الصحفية كلّها. وقبل أن تسأل السؤال حذرته أنه سيندم ولكن الرئيس بوش أثنى عليها آملاً، ربما، أنها سوف تبتلع سؤالها، كما يبتلع قادة كثيرون آراءهم الحقيقية أمامه، وسمح لها أن تسأل فسألت: " قرارك غزو العراق سبّب موت آلاف الأمريكيين والعراقيين، وأصبح واضحاً أنّ كلّ سببٍ أعلنته لغزو العراق لم يكن صحيحاً.. سؤالي هو: ما هو السبب الحقيقي لشنّ الحرب؟ " .

وفي معرض تهربه من الإجابة قاطعته هيلين ثلاث مرات فحين اعتبر الغزو على العراق جزءاً من حماية الشعب الأمريكي قاطعته قائلة " لم يفعل العراقيون أي شيء ضد وطننا"  وحين تهرّب ثانيةً من الإجابة سألته هيلين ثانيةً " لماذا أعلنت الحرب؟"  وأعاد الثناء على هيلين وقال مازحاً أنه لم يتأسف تماماً لرفع الحظر عن هيلين والسماح لها بسؤاله مع أنه " تأسف جزئياً"، لكنّ الرئيس بوش ربما لم يدرك أنّ سؤال هذه الصحفية العريقة والجريئة، والتي أصبح اسمها فخراً لمهنة الصحافة الواعية والمسؤولة، هو سؤال تسأله مئات الملايين من البشر من استراليا والصين واندونيسيا إلى أوروبا والولايات المتحدة نفسها: ما هو السبب الحقيقي وراء شنّ الرئيس بوش حرباً على العراق بعد أن أصبح واضحاً للملأ أن كلّ الذرائع لشنّ هذه الحرب هي ذرائع وهمية لم تثبت صحة أي منها وانّ العراقيين اليوم يعانون القتل الجماعي والحرب الأهلية والخطف والدمار والتعذيب وانعدام الأمن والتفرقة الطائفية والتخلّف الاقتصادي؟.... ولم يكن بوسع الرئيس بوش أن يجيب على سؤال هيلين توماس لأنّ الإجابة على هذا السؤال تتطلب بحثاً واعياً ومتأنياً وموثقاً وهو ما قام به الباحثان جون ميرشيمار من قسم العلوم السياسية من جامعة شيكاغو وستيفن والت من جامعة هارفارد بعنوان " اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية"  والذي نُشر في آذار2006 ،كما نشر ملخص عنه في أسبوعية " لندن رڤيو أف بوكس" 23 آذار 2006 وهو متاح على www.Irb.co.uk حيث يستعرض الباحثان كلّ  آفاق وأبعاد العلاقة الاستثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتي لا ينطبق عليها قانون أمريكي والتي يحرّكها ذراع المؤسسات الصهيونية في الولايات المتحدة، وعلى رأسها إيباك طبعا،ً وبطريقةٍ تتعارض في الكثير من الأحيان مع المصلحة الوطنية الحيوية للولايات المتحدة ذاتها" وفق ما يرده الباحثان!

تبدأ الدراسة بالمعونات الهائلة التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل 3 سنويا و بمعدل 3 مليار دولار،  وعدم تطبيق أي شرط من شروط المعونات عليها،  مما يمكنها من استخدام المعونات لبناء المستوطنات وتطوير أسلحتها للدمار الشامل. وتنتقل الدراسة إلى استخدام الولايات المتحدة حق الڤيتو ضد مصالح وحقوق الشعب الفلسطيني حيث استخدمت الولايات المتحدة منذ عام 1982 الڤيتو 32 مرة ضدّ قرارات ناقدة لإسرائيل بما فيها ارتكابها مجازر وحشية راح ضحيتها آلاف المدنيين الفلسطينيين و اللبنانيين، وهذا العدد يفوق استخدام جميع أعضاء مجلس الأمن الآخرين لحق الڤيتو خلال الفترة ذاتها. وفي موضوع الحرب على العراق تشير الدراسة إلى أنّ  " الحكومة الإسرائيلية والمجموعات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة قد عملت سوياً لصياغة سياسة الإدارة الأمريكية حيال العراق وسورية وإيران وأيضاً خطتها الضخمة لإعادة صياغة الشرق الأوسط".   ويضيف الباحثان أنّ " الضغط من إسرائيل واللوبي الإسرائيلي لم يكن العامل الوحيد خلف القرار لمهاجمة العراق في آذار 2003، ولكنه كان عاملاً حاسماً. ولا يوجد أي دليل يؤكد أنّ هذه الحرب كانت من أجل النفط،  كما يعتقد بعض الأمريكيين، "بل إنّ الدافع الأساسي للحرب هو الرغبة في جعل إسرائيل أكثر أمناً".  وحسب رأي فيليب زيليكو، رئيس لجنة تحقيق أحداث 11 أيلول والذي يعمل الآن مستشاراً للسيدة  كونداليزا رايس، فإنّ " التهديد الحقيقي من العراق لم يكن تهديداً للولايات المتحدة، بل التهديد الذي لم يُذكر هو التهديد لإسرائيل"، كما قال زيليكو في محاضرة ألقاها في جامعة فيرجينيا عام 2002 وأضاف بأن " الحكومة الأمريكية لا تريد الاتكاء على هذا المنطق لأنه يصعب تسويقه".

وتمضي الدراسة أنه في 16 آب 2002 ، أي قبل أن يُطلق ديك تشيني حملته لشنّ الحرب على العراق بأحد عشر يوماً نشرت الواشنطن بوست أنّ " إسرائيل تحث المسؤولين الأمريكيين بألا يؤخروا الضربة العسكرية ضدّ عراق صدام حسين". وحسبما قال شارون فإنّ التعاون والتنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة كان قد وصل (( آفاقاً غير مسبوقة )) وكان مسؤولوا المخابرات الإسرائيلية قد "قدّموا لواشنطن تقارير مرعبة حول برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية". وكما قال لاحقاً جنرال إسرائيلي متقاعد: " كانت المخابرات الإسرائيلية شريكاً كاملاً للصورة التي قدمتها المخابرات الأمريكية والبريطانية عن القدرات العراقية غير التقليدية". في الوقت ذاته نشر أيهود باراك مقالاً افتتاحياً في النيويورك تايمز قال فيه " إنّ الخطر الأكبر يكمن في عدم التحرك نحو العراق" كما نشر بنيامين نتنياهو مقالاً في الوول ستريت جرنال بعنوان (( قضية إزاحة صدام)) قال فيه " اليوم لا شيء أقلِّ من إزاحة نظامه سوف يفيد" وأضاف " أعتقد أنني أتكلم باسم الغالبية العظمى من الإسرائيليين في دعم ضربة وقائية ضدّ نظام صدام"،  كما جاء في جريدة هآرتز في شباط 2003 (( أن القيادة العسكرية والسياسية تتوق للحرب على العراق)) في الوقت ذاته كتب الصحفي غيديون ليفي أنّ إسرائيل هي البلد الوحيد في الغرب الذي يدعم قادته الحرب دون أيّ تحفّظ وحيث لم نسمع رأياً مخالفاً لذلك  وفي الحقيقة كان الإسرائيليون يدقون طبول الحرب بصخب وحماس بحيث نصحهم أصدقاؤهم الأمريكيون أن يضبطوا تصريحاتهم كي لا يبدو الأمر وكأنّ هذه الحرب تُشنّ لصالح إسرائيل و هذا بعض ما يرده الباحثان من جامعة هارفارد وشيكاغو من التصريحات و الدلائل.

إنّ ما شهدناه منذ احتلال العراق و حتى اليوم من:  لغةٍ طائفية مدروسة تسللت إلى وسائل الإعلام و ألسنة السياسيين، وتفجير للكنائس والجوامع والأوابد التاريخية، وقتلٍ منهجي للعلماء والأطباء والمتميزين، وسرقة للمتاحف وآثار حضارة ما بين النهرين، و عمليات القتل الطائفي الوحشية،  يُثبت دون أدنى شك أنّ هوية العراق وتاريخه و دوره العربي هي الهدف النهائي  للاحتلال و ما تبعه من تحولات تقع ضمن نهج تحويل البلدان العربية إلى كيانات عرقية وطائفية متناحرة،  وتجريد العرب من وحدتهم و تضامنهم بحيث تبقى إسرائيل القوة الوحيدة المهيمنة في المنطقة.  ولا يمكن فصل ما يجري في فلسطين وما يُحاك ضدّ سورية ولبنان عن هذا المخطط الذي يتخذ عناوين الديمقراطية والحرية لينفذ على الأرض خطف وبيع النساء العراقيات، وخطف وبيع آلاف الأطفال العراقيين، بهدف تدمير روح العراق وكبريائه وغناه التاريخي والثقافي والروحي، وعلى صدى الفوضى الصادرة من العراق  التهمت إسرائيل أخصب أراضي الضفة الغربية وغور الأردن وهاهي تصريحات أولمرت تُنذر برسم الحدود كما تراها إسرائيل، كما بدأ العنصريون الإسرائيليون بوضع الملصقات التي تهدد عرب 1948 بالرحيل،  وبدأت استطلاعات الرأي تعلن أنّ 68% من الإسرائيليين لا يرغبون بالسكن في بنايةٍ يقطنها العرب و 48% من الإسرائيليين يريدون لعرب إسرائيل أن يرحلوا. كما يتم تسريب الأخبار بحفر نفق قرب حائط البراق والتكتم على حفر أنفاق تمهيداً لهدم المسجد الأقصى،  وهاهم قادة إسرائيل يعلنون القدس عاصمةً لهم،  ويعلنون ضمّ الكتل الاستيطانية و تهجير العرب، مسيحيين ومسلمين، من القدس بينما ينشغل بعض العرب بتطبيق قرارات "الشرعية الدولية" في مقارعة حماس ومحاولة نزع سلاح حزب الله، الفصيلين الذين يتشبثان بحق العرب في مقاومة الاحتلال.

إنّ دراسات أخرى مكملة لهذه الدراسة مثل دراسة " الاختراق النظيف، إستراتيجية جديدة للسيطرة على المنطقة" المنشورة عام 2000 تحدّد بعض أدوات هذه الإستراتيجية بأنهم من العرب المؤمنين (( بإسرائيل وسيطرة إسرائيل)) وتؤكد على الاستفادة منهم لخرق الصفوف العربية، وكسر الرؤية الموحدة للصراع العربي الإسرائيلي.

والمدهش في الأمر أنّ دراسات مثل هذه الدراسة التي قام بها الأستاذان في جامعتي هارفارد و شيكاغو  جون ميرشيمار،  وستيفن والت،  لم تلق الاهتمام اللازم  في الإعلام العربي، ولم تثر الضجة التي تستحق، وكأنه لا يكفي أن العرب لا يبحثون ولا يكتبون بشكلٍ علمي عن قضاياهم، بل أصبحوا لا يجرأون حتى على ذكر و مناقشة أبحاث لأساتذة مرموقين تفضح المخطط المعادي الذي يشن الحروب و الإرهاب و الكراهية  ضدّ العرب،  و التي تؤكد أنّ السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة تُصاغ  في تل أبيب من قبل جنرالات متعطشين لدماء وأراضي و حقوق العرب.

لقد بدأنا نقرأ مؤخراً في الإعلام العربي أن  الولايات المتحدة وإسرائيل "يحذران حماس" وكأنّ العرب استكانوا بأنّ الولايات المتحدة وإسرائيل فريق واحد.  وهاهم أساتذة أمريكيون يصرفون الوقت والجهد، وربما يغامرون بمواقعهم الجامعية، لينشروا بحثاً كنا جميعاً نرى دلالاته دون أن نمتلك وثائقه ومؤشرات تغيراته الحقيقية، ومع ذلك لم يحتفي الإعلام العربي بهما، ولا ببحثهما، وهذا مؤشر خطير يُضاف إلى مؤشر ضعف المرجعية، والرؤية المدافعة عن الحق العربي، وكثرة السهام الموجّهة إليها من الداخل والخارج بدعاوى "حرية"  و"ديمقراطية" ولكن هدفها الأساسي دقّ أسفين خطير في قلب وحضارة وحقوق ومستقبل هذه الأمة العريقة. هل يحق لنا أن نطمح أن يمتلك العرب الجرأة لرفع صوتهم على الساحة الدولية ضدّ الظلم الفادح الواقع عليهم بعد أن يوحدوا الرؤية ويؤمنوا بوحدة الهدف والمصير؟  وهو أن يكونوا جزءاً فاعلاً في "الأسرة الإنسانية" لإحقاق حقوقهم كجزء لا يتجزأ من نصرة الكرامة الإنسانية على مستوى العالم؟  لقد بدأ الباحثون و محبو السلام في الغرب برفع أصواتهم بجرأة ضد الظلم الواقع على العرب في العراق و فلسطين و ضد السياسة الأمريكية المنحازة تماماً ضد العرب، فهل يمكن للعرب أن ينتصروا لأنفسهم و أن ينفضوا غبار الخوف و الاستكانة، و يمسكوا بزمام قضاياهم على أسس الشرعية الدولية و العدل و الكرامة؟.