مسألة ثقة بين الغرب والإسلام، أم بين المسلمين أنفسهم؟!
د. بثينة شعبان
13 آذار 2006
الإشارة الوحيدة التي تفوه بها الرئيس بوش بنوع من المساواة بين الهند والباكستان هي حين حثّ قادة كلّ من الهند وباكستان أن " يحلاّّ المسألة بينهما" في إشارة عابرة إلى قضية كشمير التي تركها البريطانيون عالقة بين البلدين عندما رحلوا عن شبه القارة الهندية فكانت سبباً للحروب وانعدام الثقة بين البلدين، أما فيما عدا ذلك فقد قال الرئيس بوش أن "الهند وباكستان بلدان مختلفان، ولهما حاجات مختلفة، وتاريخ مختلف" ! وذلك في معرض تبرير المعاملة المختلفة جداً التي تلقتها كل من الهند وباكستان بشأن قيام تعاون نووي مدني بين كل منهما وبين الولايات المتحدة. وفي حين يتوقع أن تتمكن الهند، على إثر الاتفاقية التي وقّعتّها مع الرئيس بوش خلال زيارته الأخيرة، من الحصول على التكنولوجيا والوقود النووي في مقابل قيامها بتنفيذ خطة "للفصل" بين منشآتها النووية المدنية عن العسكرية، علماً أن الهند لم توقع اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، فإن باكستان حصلت من الرئيس بوش على تأكيد شفوي وحسب، بأنها "حليف حيوي في الحرب على الإرهاب"، مع لفت انتباهها إلى ضرورة إجراء "انتخابات شفافة وديمقراطية" في العام القادم، مع التأكيد عملياً على أن باكستان غير جديرة بأن تتلقى صفقة مماثلة للتعاون النووي لأغراضٍ سلمية مع الولايات المتحدة كالتي حصلت عليها الهند. والمتابع الحثيث لتاريخ البلدين يصعب عليه رؤية الفروقات بينهما التي تحدث عنها الرئيس بوش، فبعد رحيل الاستعمار البريطاني عن شبه القارة مدحوراً بكفاح شعبها الذي قاده غاندي مستخدماً اللاعنف، انفصلت الباكستان عن الهند في أجواء الانقسام الطائفي التي نراها الآن سائدة في كلٍّ من العراق بفضل الاحتلال الأمريكي، وفي لبنان، بفضل التدخّل الأمريكي، وقامت الهند بإجراء تجارب على أسلحة نووية سرعان ما تبعتها باكستان من أجل تحقيق التوازن النووي بين بلدين تحكم علاقاتهما التوتر المزمن حول كشمير. وكذلك لم ينس الرئيس بوش في باكستان ضرورة استبدال "إيديولوجية الكراهية" بإيديولوجية الأمل (!)، وطالب بتحسين "تبادل المعلومات الاستخباراتية" بين الولايات المتحدة وباكستان باعتبارها "الوسيلة الأفضل لإلحاق الهزيمة بالقاعدة"، ودعا "القوات الباكستانية إلى التحرك بسرعة". إذاً ما طلبه بوش من باكستان هو ما يطلبه من أي دولة مسلمة، وهو "التخلي عن إيديولوجية الكراهية"، بعد أن زودته مراكز الأبحاث بمعلومات مفادها أن "الإسلام ينتج إيديولوجية الكراهية"، ولذلك لا بدّ من معالجة المسلمين في السجون السرّية كي يستبدلوها بما تفرزه الديمقراطية الأمريكية من "إيديولوجية الأمل"، والتي تعرفها العديد من الشعوب، ومؤخراً عرفها العراقيون والفلسطينيون! والسبب نفسه يقف وراء الموقف من إيران ورغبتها حتى في إجراء أبحاث نووية مع تجميد التخصيب، ولكنّ هذا يبدو طلباً بعيد المنال رغم قناعة روسيا وألمانيا أنه حلٌ معقول للأزمة مع إيران. وقال جون بلتون، سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة: "ما أن تملك إيران القدرة العلمية والتقنية على القيام بالتخصيب، ولو اقتصر ذلك على المختبرات، حتى يمكن استخدام هذه القدرة في نشاطات ذات طابع صناعي، لذا نحن مقتنعون بشدّة بوجوب عدم السماح بأي تخصيب في إيران وموقفنا ثابت في هذا الإطار". أما الناطق باسم البيت الأبيض، سكوت ماكيلان، فقد دعا "الأسرة الدولية" إلى مواصلة تحركها لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي: "إنها مسألة ثقة، والنظام الإيراني أظهر على مدى عقدين تقريباً أنه لا يمكن الوثوق به.... لا يزال يطلق التصريحات ويتصرف ليستفز".
فعلاً إنها "مسألة ثقة" ولكن ليس بإيران وحدها، بل بباكستان أيضاً، وبأي بلد مسلم، طالما أنّ التهمة هي "اعتناق إيديولوجيا الكراهية" التي يربطها الغرب عموماً، ويمثلهم الرئيس بوش هذه المرة بكل وضوح، بالإسلام والمسلمين حصراً !!. فكيف يمكن الوثوق بمثل هؤلاء (المسلمين) وكيف يمكن التعامل معهم على أساسٍ مساوٍ للتعامل مع دول أخرى. هذه القراءة هي التي تتيح لنا فهم جوهر وأسباب الفرق في تعامل رئيس الولايات المتحدة مع الملف النووي في الهند وباكستان، ومع ملفات أخرى، ولولا "الحرب على الإرهاب" وحاجة الولايات المتحدة "لمعلومات استخباراتية حول القاعدة" لكانت باكستان تواجه اليوم ما تواجهه إيران، وما قد تواجهه غداً، من تهديدات بفرض عقوبات من قبل "الأسرة الدولية" كي تتخلص من برنامجها النووي.
وإذا كان هذا واضحاً ولا يقبل الشكّ، فلماذا لا يؤازر المسلمون بعضهم بعضاً، ولماذا لا تساند خمسون دولة مسلمة ونيّف أي دولة شقيقة أخرى في قضاياها العادلة وفي محاولاتها أن تلحق بركب العلم والتكنولوجيا ؟!. بدلاً من ذلك فقد تمّ استخدام منظمة المؤتمر الإسلامي، ومساعي العديد من الدول المسلمة في قضية الرسوم المسيئة للنبي محمد (ص)، لإطلاق دعوات "ضبط النفس" وانتقاد ردود الأفعال الشعبية "المبالغ فيها"، بدلاً من دراسة الحالة وآثارها على عزّة وكرامة المسلمين واتخاذ الإجراءات التي تردع الإساءات المتكررة لمقدسات المسلمين وحقوقهم.
لا أحد يستطيع أن يمنع الغرب، بمؤسساته الإعلامية والسياسية، من تبني أفكارٍ عنصرية تجاه المسلمين، ولا من تبني نهج الحروب والتعذيب والقتل، فالدول الغربية ليست بعيدة عن عهود الاستعمار، والفاشية، والنازية، والابارتيد، والحروب العالمية، ولا من تعاملها المتعالي على الشعوب الذي يسيء بالفعل لكرامة الدول والشعوب والأفراد المتساوية في الإنسانية، ولكنا جميعاً يجب أن نتساءل عن سبب انعدام وجود المرجعية الإسلامية التي تحرص بدورها على كرامة الدول المسلمة وحقوق شعوبها وكراماتهم في عالم أصبح التعامل مع المسلمين فيه يقوم على الكراهية المعلنة والعنصرية المفرطة. وإذا كان قادة الغرب يتحالفون حين يتعلق الأمر بالوقوف ضدّ المسلمين، ويدعمون بعضهم البعض على المستوى الدولي فيبدون "أسرة دولية" فلماذا لا يحمل قادة المسلمين أيضاً قضاياهم بالوحدة ذاتها والإخلاص والجرأة ؟. لقد أصبح واضحاً اليوم أنه من الممنوع على المسلمين أن يحصلوا على العلوم والتكنولوجيا لأنّ المسألة "مسألة ثقة" ولم يملك الغربيون "الثقة" بالمسلمين يوماً، مهما اختلفت الذرائع التي يدّعونها اليوم لتبرير "انعدام الثقة". ولكنّ "مسألة الثقة" الأخطر هي تلك الثقة المعدومة بين قادة المسلمين أنفسهم ! فلماذا لا يبدأ قادة المسلمين بالثقة بأنفسهم أولاً، وببعضهم البعض، وبمصيرهم المشترك، التي تبدأ بوضع آليات اتخاذ مواقف داعمة لقضاياهم العادلة ومساندة بعضهم على المستوى الدولي، ووضع آليات عمل لفعل ذلك تماماً كما يفعل الغرب؟ فمثلاً، تفاخرت الجرائد الغربية في الأيام الأخيرة أنه رغم قبول ألمانيا لموقف إيران الأخير من التخصيب "فلن تستطيع أن تشذّ" عن موقف الاتحاد الأوروبي، بينما نرى، بالمقابل، أن أي دولة عربية تستطيع، تحت قليل من الضغط من سفير لأي من دول "الأسرة الدولية" أن "تشذّ عن رأي كلّ العرب"، حتى في أشدّ قضايا العرب عدالة، وأن أي دولة مسلمة تستطيع أن تناقض موقف الدولة المسلمة الأخرى لصالح تحقيق مآرب غربية، مع أن تكاتف قادة هذه الدول واتخاذهم موقفاً موحداً من قضايا بلدانهم على الساحة الدولية يعود، ودون أيّ شك، بالفائدة الجمّة على الدول كلها مجتمعة وعلى المسلمين في جميع أقطارهم. ألم يحن الوقت كي يرى قادة المسليمن أن الرئيس بوش يُحدِّد في خطاباته إليهم المطلوب منهم اليوم وهو "تبادل معلومات استخباراتية" أي: أن يكونوا "مخبرين" وحسب، لوكالات الاستخبارات الأمريكية كي يزودوها بـ "المعلومات الاستخباراتية" التي يطلبها بوش وأجهزة مخابراته العديدة ذات الصلاحيات المطلقة خارج القانون، مع أن المسلمين اليوم هم أحوج البشر إلى الأمن والأمان من الاستهداف المخابراتي الغربي لمصالحهم وحقوقهم ومقدساتهم، مع إجهاز شامل، إعلامياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً، على جميع البلدان المسلمة دون استثناء. وإن بدا الأمر بوجود استثناء، لهذه الدولة حيناً أو لتلك، فهو بالتزامن والأولوية وحسب. وهاهي استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تُري أن ما يقرب من نصف الأمريكيين لديهم وجهة نظر سلبية عن الإسلام، وأنّ نسبة الأمريكيين الذين يعتقدون بأن الإسلام يساعد على تغذية العنف ضدّ المسلمين زادت إلى ما هو أكثر من الضعف منذُ هجمات أيلول، وذلك بسبب التصريحات السياسية وتقارير الإعلام التي تركّز فقط على أعمال المتطرّفين المسلمين. كما اعترف واحد من كل أربعة أمريكيين بالشعور بنوع من التعصّب اتجاه المسلمين، وهي النسبة ذاتها التي عبّر عنها التعصّب الشخصي ضدّ العرب. أوليس كلّ هذا جديراً بأن يدقّ ناقوس الخطر لدى المسلمين كي يوصلوا صوت الإسلام وصورته الحنيفة إلى الغرب؟ ولم يكن اجتماع المسلمين يوماً في عمر هذه الرسالة المباركة إلا لما فيه خيرهم وخير البشرية جمعاء، فحينما تعاونوا فإنهم تعاونوا على البرّ والتقوى، وليس على الإثم والعدوان. إن التعامل الأمريكي مع باكستان كالتعامل مع إيران فهو "مسألة ثقة" بين الغرب والإسلام، فليثق المسلمون ببعضهم أولاً وليتحابوا وليتعاونوا، وحينها، ستنظر "الأسرة الدولية" بثقة إليهم وتتعامل معهم باحترام ونديّة وكرامة وتتوقف الإساءات عندها إلى سيدنا محمد (ص) وإلى ديننا الحنيف وإلى المسلمين حيثما كانوا.