بوش في بلاد غاندي

د. بثينة شعبان

 

6آذار 2006

 

 تزامنت زيارة الرئيس بوش للهند مع جهود دولية لعقد ندوات حول ضرورة تعزيز مبدأ تحالف الحضارات في وقتٍ يكاد الجميع يشهد انزلاق العالم إلى مواجهة بين الغرب والإسلام. وكان أبرز هذه الجهود عقد منتدى تحالف الحضارات في الدوحة والذي انتهى ببيان ثلاثي للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي يدعو لإنهاء أجواء التحريض واعتماد الحوار بين الحضارات. وفشل المنتدى في أن يطالب من أساءوا لسيدنا محمد (ص) بأن يعتذروا عن الإساءة، كما فشل المنتدى في أن يعتبر هذه الإساءة وردود الفعل المتضامنة معها في الغرب حلقة في سلسلة الاستهانة غير المبرَّرة إطلاقاً بالمسلمين ومقدساتهم ومشاعرهم، خاصةً وأنّ حرية التعبير التي تذرّعوا بها لم تقف حائلاً دون سجن دافيد إيرفنغ لمجرد أنه شكك في طبيعة أشويدز.

في التوقيت ذاته عقد وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي اجتماعاً في بروكسل دعوا فيه لتعزيز الحوار بين الاتحاد الأوروبي والعديد من "دول جنوب المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط" ( تستخدم أوروبا هذا التعبير الطويل بديلاً عن تعبير "الدول العربية"  لأسباب تخصها!) ودعم الاجتماع المبادرة التركية-الاسبانية من أجل تحالف الحضارات كما فعل ذلك منتدى الدوحة أيضاً. في التوقيت نفسه حصلت اعتداءات غير مسبوقة على مسجد الهادي والحسن العسكري في العراق وعلى عشرات المساجد بعدها،  كما حصلت مواجهات في نيجيريا بين مسيحيين ومسلمين لأيام عدة وأوقعت عدداً كبيراً من الضحايا وأدت إلى تدمير كنائس ومساجد.  واستمرت قوات الاحتلال الإسرائيلية في الاعتداء على المقدسات المسيحية والإسلامية فقامت في آخر جرائمها بالاعتداء على كنيسة البشارة من قبل حاخام وعصابة من المتطرفين فتهدم جزء من المذبح في القاعة الرئيسية. في خضّم هذه المواجهات المتصاعدة منذ أحداث الحادي عشر من أيلول جاءت زيارة الرئيس بوش للهند، بلد المهاتما غاندي، الذي قاوم الاحتلال باللاعنف، وحرّر بلاده من أعتى قوة استعمارية في حينها باللاعنف.  ومن هنا كان توقنا لنرى كيف يرى رئيس يتبنى العنف المطلق،  من حروب وتعذيب وسجون سرية وإطلاق شامل لأيدي مخابراته في مكافحة الإرهاب  بأساليب لا تقل عنفاً عنه، كيف يرى كل سياساته هذه، و نتائجها الكارثية، في ضوء التجربة الهندية التي أثمرت الحرية للهند والديمقراطية والعزة والازدهار لشعبها،  دون عنف وحروب وتعذيب! غير أن ما كتبه الرئيس بوش في كتاب الزوار،  عندما زار وزوجته ضريح المهاتما غاندي،  لا ينم عن استيعابه لمغزى فكر و عمل صاحب الضريح.

فقد كتب بوش: "أنا ممتن لزيارة المهاتما غاندي في هذا الصرح المقدس. لقد كانت حياته مصدر وحي للناس في أرجاء المعمورة كما أنّ مساهماته للبشرية وضعته بين القادة العظام في التاريخ"،  ولكن الرئيس بوش تجنّب الحديث عن نوع "المساهمة التي قدمها المهاتما غاندي للبشرية" و هي "اللاعنف" ، ولم يعتبره "مصدر وحي" لسياساته، التي تتناقض تناقضاً صارخاً مع كل ما يمثله غاندي من إرث للبشرية. فسياسات بوش أدت إلى إشعال فتيل حروب طائفية وأهلية والتوتر بين أديان عالمية، وشدّت من أزر الإرهابيين في الشرق والغرب وزادت مساحات عملهم، على عكس غاندي الذي وحّد الهنود بانتماءاتهم العديدة دينياً وطائفياً ولغوياً وعرقياً وقومياً في أمة واحدة متعايشة بسلام،  و لذا يعتبر فكره جسراً للحوار بين الحضارات والأديان.

قال الرئيس بوش في مؤتمره الصحفي: "إن الطريقة لدحر الإرهاب على المدى القصير هي تشاطر المعلومات واتخاذ إجراءات. والطريقة لدحر الإرهاب على المدى الطويل تكمن في دحر إيديولوجية الكراهية بإيديولوجية الأمل. هذه هي الديمقراطية"،  هنا تكمن المشكلة فعلاً. لأن الندوات واللقاءات والحوارات فشلت أولاً في استجرار اعتذار من الدانمارك والدول الغربية على إساءة كبرى للدين الإسلامي، بينما تعتمد سياسة مكافحة الإرهاب على (( تبادل المعلومات))، أي على الأسلوب المخابراتي الأمني، الذي كما رأينا يعتمد على السجون السرية والتعذيب والقتل وتوتير الأجواء الدولية والعــــلاقات بين الشعوب. ولاحظوا تعـبير (( إيديولوجية كراهية)) الذي أصبح إشارةً غير مباشرة للتهمة التي أُلصقت بالإسلام بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وهي تهمة روّج لها بعض المتطرفين من العنصريين الغربيين وأدخلوها مجال التداول والإعلام لتبرير الإساءة للإسلام والمسلمين.

وكرّر الرئيس بوش إعجابه بالهند حيث يعيش معتنقو ديانات مختلفة في محبّة ووئام، وهذا صحيح وهام، ولكن هذا ينطبق على البلدان العربية التي يعيش فيها معتنقو الديانات الثلاث عبر القرون، إلى أن دعمت السياسة الأمريكية كياناً في المنطقة يقوم على أساس ديني يعتمد في قيامه على قتل وتهجير المسلمين والمسيحيين واستبدالهم بمستوطنين.

لقد وضع الرئيس بوش، ربما عن غير قصد، أصبعه على جذر المشكلة التي يعاني منها العالم اليوم، وهي أن سياسة مكافحة الإرهاب تعتمد الأسس الأمنية التي تستهدف المسلمين والعرب جميعاً وتعتبرهم خطراً على أمن العالم، ولذلك فقد نشرت مئات السجون السرية لهم في بلدان عديدة بما في ذلك غوانتانامو وأبو غريب، وأصبحت السحنة السمراء والتحدث بالعربية شبهة، وكأنّ المسلمين جميعاً مسؤولون عن الإرهاب، ولذلك تستبيح الولايات المتحدة ومخابراتها وجيوشها بلدانهم وحقوقهم ومقدساتهم ومصيرهم. وتأتي ردود أفعال الغرب على كلّ ما يعاني منه العرب لتذّكي الشعور بالغضب، حيث يركّز الجميع على قطع الموارد عن حماس التي انتخبها الشعب الفلسطيني في انتخابات ديمقراطية نزيهة، بينما تستمر إسرائيل يومياً بالقيام بأعمال إرهابية تغتال فيها شباباً فلسطينيين لمجرّد أنهم يتوقون إلى العيش بحرّية وكرامة. كما أن رفض الاعتذار عن نشر الرسوم وإصرار وزير خارجية بريطانيا  "على أن يبقى في العراق الجنود البريطانيون الذين ضربوا وأهانوا وقتلوا صبياناً عراقيين أمام كاميرا الفيديو"  يشير إلى مستوى الاستهانة بمشاعر العرب. وفي غمرة كلّ هذا تتوالى التصريحات من إسرائيل بالعزم على الإبقاء على احتلال غور الأردن والضفة والقدس وتهجير الفلسطينيين ورفض التعامل مع حماس بحجة العداء لإسرائيل التي تحتل الأرض والمياه وتقتل الشباب يومياً وتريد من الفلسطينيين أن يمتدحوا إسرائيل وهي جاثمة على صدورهم كقوّة احتلال بشعة.

إذاً ما دام هناك محرّك الكراهية يعمل ضد المسلمين والعرب ويهدر كرامتهم وحقوقهم، وما دامت ردود الفعل الغربية تكيل بمكيالين، وما دامت الحرب ضد الإرهاب تعتمد الأسلوب الأمني في الاعتقال العشوائي والتعذيب والقتل لمن تعتبرهم القوى الأمنية (( مشتبهاً بهم)) فإن العالم سوف يستمرّ بالانزلاق نحو عنف أكبر وحروب أخطر، ولن يرقد المهاتما غاندي في ضريحه سعيداً عندما يزوره قادة يؤمنون بأفكار العنف المطلق ويمارسون سياسات تقوم على الحرب والعنف المضاد الأمر الذي يتناقض كلياً مع كلّ ما آمن به وعمل من أجله كي يسود السلام وكي تنتشر العدالة والحرية والديمقراطية. لقد أكدّ الرئيس بوش أكثر من مرة خلال زياراته للهند "أن طريقة العمل سوياً لمكافحة الإرهاب هي من خلال ضمان تبادل الأجهزة الأمنية للمعلومات وذلك بأن يتم توقّع تحركاتهم والاستجابة لها ولدوافعهم ولأعمالهم من خلال معلومات أمنية جديدة". هذا كلام لا يعير وزناً لكلّ اللقاءات والحوارات حول تحالف الحضارات وهذه سياسة بديلة تعتمد على أن السجون السرية والتعذيب والحروب والدماء والخراب هي الأسلوب الأمثل لاحتواء "المشتبه بهم".

إنّ ما يجري في العراق وفلسطين من قتل ودمار، وما يشهده العالم من توتر وإجحاف وظلم يحتاج إلى رؤية أخرى مختلفة تماماً عن أسلوب العلاج العسكري والمخابراتي الذي يتبعه الرئيس بوش وحلفاؤه في أوروبا، رؤية تعتمد على مبدأ العدالة والسلام والكرامة المتساوية لجميع الشعوب. ألم تكن زيارة ضريح المهاتما غاندي جديرة بأن تدعو الرئيس بوش لإعادة التأمل والتفكير في فكر وسيرة المهاتما غاندي، والتعلّم من قائدٍ روحي وسياسي علّم البشرية دروساً خلاقة في النضال من أجل المساواة في الحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة لجميع البشر بغض النظر عن اللون والدين والجنس واللغة ؟  والذي برهن أن الشعوب منتصرة لا محالة مهما بلغت قوة الاحتلال من جبروت، وأن احترام الشعوب وكرامتها وحريتها وحقوقها هو الطريق الوحيد لدحر الإرهاب والعنف والحروب