2006: عالم تدقّ فيه أجراس الإنذار
د. بثينة شعبان
2Jan. 2006
علّ أهمّ كتاب سياسي يلقي الضوء على الأخطار الجسيمة التي يتعرض لها عالم اليوم هو كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي صدر بعنوان: (( قيمنا المعرّضة للخطر)) والخطورة التي يشير إليها كارتر: " تنبع من أن الولايات المتحدة، رغم بعض الأخطاء هنا والتحفظات على تصرفاتها هناك، كانت تشكّل حتى وقت قريب صورة عن دولة القانون والدستور ومدونة الحقوق التي تسعى دول كثيرة للاقتداء بها والتوصل إلى مثيلتها في بلدان العالم. وبغضّ النظر عن التحفظ على الأسلوب الاقتصادي أو غيره فقد كان هناك شبه إجماع على احترام الولايات المتحدة لحقوق الإنسان وللشرعية الدولية واتفاقيات جنيف الرابعة". ولأنّ الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، فإنّ مواقفها من الأمور هامة وتتسرب سلباً أو إيجاباً إلى البلدان الأخرى.’’ ولكن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول فقد اتخذت إدارة بوش من الحرب على الإرهاب حجّةً (والكلام لا يزال للرئيس كارتر) لتبرير أعمال شبيهة بتلك التي كانت ترتكبها أنظمة مسيئة والتي كانت الولايات المتحدة تدينها تاريخياً، بل إن الولايات المتحدة تعرضت لانتقادات شديدة من منظمات دولية مهتمة بشكل جدّي بالمبادئ الأساسية للديمقراطية‘‘. كما أن كارتر يدقّ جرس الإنذار حين يرى المدّعي العام الأمريكي ألبيرتو غونزالز يصف اتفاقيات جنيف ’’بالقديمة والتي عفا عليها الزمن‘‘ ويسمع كارتر نواقيس الخطر عندما يتبارى مسؤولون أمريكيون لتبرير وجود سجون للتعذيب. كما يقتبس كارتر من الدكتور بورتن، وهو دكتور في البيت الأبيض والذي يكشف أن تقارير الوحدات العسكرية الأمريكية تُري "أن الطاقم الطبيّ لهذه الوحدات قد ساهم في التعذيب" وأنّ مؤشرات لا أخلاقية جديدة قد تمّ تبنيها كي تسمح بالتواطؤ من قبل الفريق الطبي مع المسؤولين في الوحدات العسكرية لتعذيب المعتقلين. وأشار الدكتور بورتن ’’أنّ أمريكا لا يمكن لها الاستمرار في هذا الطريق وأن التعذيب هو دلالة ضعف وليس دلالة قوّة‘‘. كما أطلق آخرون صفارة الإنذار حين قال ألبيرتو غونزالز "أن الرئيس هو القانون" وأجرى آخرون مقارنات بين حالة العالم اليوم وبين ما كانت عليه في عام 1934 حين بدأت المواقف العنصرية بالتشكّل وإيجاد المبررات لها. ويشرح الكاتب روبرت هيفز في كتابه "إحياء دولة الحرب" الأخطار المحدقة بعالم اليوم من خلال إجراء مقارنات دقيقة مع عالم الأمس.
التوجّه نفسه بعبارات وتحليلات مختلفة يصدر عن وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت والتي تنعي "خسارة أمريكا للثوابت الأخلاقية" وتعترف بأن غوانتنامو وأبو غريب وسجون سريّة أخرى شكلت مفارقة أخلاقية فظيعة للولايات المتحدة وبداية طرح عنصري يضع أبناء العالم في مرتبة ثانية في الإنسانية بنظر الإدارة الأمريكية يحقّ لها تعذيبهم والاستهانة بكرامتهم "وبهذا وضعت الولايات المتحدة نفسها فوق القانون والشرعية الدولية وحقوق الإنسان كما فعلت أيضاً فيما يخصّ الهوية الثقافية والتغييرات المناخية والمحكمة الجنائية الدولية‘‘. ولمن يعتقد في الولايات المتحدة أن كلّ هذا يحدث بعيداً عن دياره أتت أخبار التّنصت على الأمريكيين المشتبه بأنهم يساعدون إرهابيين لتضع الجميع، أي من هم داخل الولايات المتحدة ومن هم خارجها، في دائرة الخطر وهنا بيت القصيد. لأن كلّ الإجراءات التي اُتخذت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول باسم محاربة الإرهاب ومراقبة المسلمين والعرب وذوي السحنة السمراء تقود العالم اليوم نحو مواقف عنصرية بدأت تظهر بوادرها وسماتها في فرنسا وبريطانيا والدنمارك وأستراليا وروسيا إلى حدٍّ كبير في كافة أرجاء أوروبا والولايات المتحدة، وأخذت الأحزاب اليمينية والمتطرّفة تجد مناخاً مناسباً لها لتنمو وترفع صوتها بحجة مقاومة الخطر القادم من الهجرة (المسلمين) أو من الإسلام أو غير ذلك وفي النهاية فإن العالم اليوم كتلة واحدة يحصد نتائج أعماله في الشرق والغرب في آن ولا يمكن الفصل بين أبنائه على أساس العرق أو الدين أو اللون دون خلق حالة عنصرية أو نازية أو فاشية قد يصبح من الصعب التغلّب عليها إذا استفحلت وإذا لم ننتبه إلى القضاء عليها وهي في المهد.
ليست مصادفة أن الكاتب الذي حظي بجائزة نوبل للآداب، هارولد بينتر خصّص قسماً هاماً من خطابه للإشارة إلى الجرائم التي تُرتكب بحقّ الإنسانية ولن يفيد الغموض الذي استخدمته وزيرة الخارجية الأمريكية لتبرير نشر السجون السريّة والتعذيب الذي يتعرض له المعتقلون ولن يحمي هذا مصلحة الولايات المتحدة أو أمنها أو سمعتها أو مصداقيتها بل العكس هو الصحيح. ولذلك لا بدّ للأصوات الحرّة في كلّ مكان من التكاتف والتحلّي بالوعي والجرأة وتسمية الأشياء بمسمياتها كي نغادر عالم الغد ونحن مطمئنون إلى مستقبل أطفالنا وأحفادنا.
إن أهمّ ما يميّز عالم اليوم هو أن الشفافية أصبحت ضرورة وليست ترفاً لأنّ الجميع يعي جوهر الأمور رغم كلّ الالتفافات الإعلامية أو محاولات التضليل يبقى المثل العربيّ صحيحاً "أن ما يخرج من القلب يدخل في القلب وما يخرج من اللسان لا يتعدى الآذان". ألم نجلس جميعاً متسمّرين أمام شاشات التلفاز ونحن نراقب الرئيس البوليفي إيفو موراليس يتحدث عن بلده ومقدراتها الاقتصادية "وأرضها الحبيبة والطبيعة الأم التي منحتنا كلّ شيءٍ باعتزاز وحرصٍ شديدين وكأنه يتحدث عن عائلته وأهله وعن ثروات البلد الطبيعية والتي هي حق للفقراء وأهل البلد وليس لمن قدموا ليكونوا أسياداً لنا". أولم نراقب شافيز وإيفو موراليس يرسون أسساً مختلفة لديمقراطيات تنبع من الشعوب وليست مستوردة من مكان ما لشركات عالمية؟ أو لا يرى العرب اليوم كيف تغنّت الحكومات الغربية لسنوات بإسقاط جدار برلين بينما تلتزم الصمت اليوم حيال جدار عنصري أشدّ خطورة وعدوانية وعنصرية وتجاهلاً لحقوق السكان الأصليين؟ لقد مزّق عام 2005 الجزء الأساسي من القناع الذي يلفّ العمل السياسي الدولي وتبرير الحروب الدموية، والفوضى والتعذيب والسجون والتنصت مرة باسم "مكافحة الإرهاب" وأخرى إدعاء تصدير "الحرية" و "الديمقراطية" للشعوب "الفاشلة". الشعب الأمريكي يعي حقيقة ما يحدث له وباسمه من أجل غايات ومآرب أخرى والمسألة هي مسألة وقت فقط كي تسقط الأقنعة ونأمل أن تسقط قبل أن يستفحل المدّ العنصري ليكلّف العالم ثمناً باهظاً من الدمار والدماء. العنصرية مهما كانت مسمياتها ترفض الاعتراف بالقيمة الواحدة لحياة الإنسان في كلّ مكان وبالكرامة المساوية للبشر وبتوق الناس جميعاً في كلّ زمان ومكان للحرية والكرامة والعيش بأمان بعيداً عن الاحتلال الأجنبي، فهل يحقّ لنا أن نحلم بتقاطع الجهود والتيارات وأصحاب الرأي في العالم في عام 2006 من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل؟ أول خطوة لتحقيق هذا الهدف هو إسقاط تعابير الحرب على الإسلام والمسلمين وإلغاء القوانين التي تبيح تعذيب المشتبه بهم والعودة إلى اتفاقيات جنيف والشرعية الدولية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان في كلّ مكان لأن الإنسان هو غاية الحياة وجوهرها ولا بدّ من رفع الظلم الواقع على العرب وإنهاء الاحتلال البغيض فالظلم والعنصرية يغذيان باستمرار الصراعات، ولن تستكين الشعوب إلا بتحقيق الحرية والعدالة والكرامة مهما بذلت من شهداء ومهما طال الزمن.