حقيقة ما جرى عام 2006 ومؤشرات عام 2007 على العرب
د. بثينة شعبان
25 كانون الأول 2006
أعلن الرئيس بوش في مؤتمره الصحفي في 20 كانون الأول (ديسمبر) الجاري حصاد سياسته الشرق أوسطية ونتائجها على المواطن الأمريكي، فقد قال: « ونحن نقترب من نهاية عام 2006، اقتصادنا قوي ومنتج ومزدهر»، وأضاف: « ونحن نتطلع إلى الأمام، فإن هدفنا هو أن نحافظ على سياستنا الاقتصادية الداعمة للتنمية، والتي تزيد اقتصادنا قوة، وتساعد على رفع مستوى الحياة لمواطنينا»، وبعدها تحدّث عن النفط والغاز وأهميتهما بالنسبة للاقتصاد والتقدم العلمي في الولايات المتحدة، وبذلك لخّص الرئيس بوش، بشكل واقعي وبكل صراحة وشفافية، الأهداف الحقيقية والنتائج الفعلية لسياسة الحروب والاحتلال والحصار، وزعزعة الاستقرار التي نشرها في الشرق الأوسط. وبعد يومين من مؤتمر بوش الصحفي هذا، أعلن مسؤولون عسكريون أمريكيون في البنتاغون، « أن الولايات المتحدة وبريطانيا، ستبدآن تحريك سفن حربية إضافية إلى الخليج»، لتحقيق وجود ثابت ومستمر في الخليج العربي، والتبرير الإعلامي هو« لتكون على بعد مسافة قصيرة من إيران». كما طالب جنود أمريكيون، يقاتلون في العراق، وزير دفاعهم بإرسال المزيد من القوات، وصرّح روبرت غيتس، وزير الدفاع الأمريكي، في أول زيارة له للعراق أنه «على جيران العراق أن يفهموا أننا سنبقى طويلاً في الخليج». ولكنه لم يكن صريحاً كالرئيس بوش، بربط هذا «البقاء الطويل في الخليج» بالنفط العربي.
وتزامن مؤتمر بوش الصحفي، وتصريحات غيتس في بغداد مع ما كشفه الدبلوماسي البريطاني السابق كارني روس، الذي شغل منصب السكرتير الأول في البعثة البريطانية للأمم المتحدة في الفترة 1997-2002، في وثيقة نشرتها جريدة الأندبندنت البريطانية منذ أيام، مفادها أن «الحكومة البريطانية لم تكن تعتبر أبداً أن أسلحة الدمار الشامل العراقية تشكل تهديداً ضدّ المملكة المتحدة»، وأضاف: «أتذكر أن الفريق البريطاني لدى الأمم المتحدة، كان يرجع باستمرار إلى هذا الرأي، خلال المحادثات مع الأمريكيين الذين كانوا موافقين»، ولا شك أن الفريق البريطاني والأمريكي اليوم، اللذين يعملان في الأمم المتحدة، يوافقان أن إيران لا تشكل خطراً عليهما، خاصة وهما يران حكومتهما تفاوض كوريا الشمالية، بعد أن فجرت قنبلتها النووية، كما عقدت حكومتهما أيضاً، اتفاقاً نووياً مع الهند المسلحة نووياً، فضلاً عن باكستان. ولكن مع ذلك، وجدت إدارة بوش أنه من المفيد التحدث عن إيران عند اتخاذ قرار باستقدام حاملة طائرات ثانية إلى الخليج، لأن نتائج هذه التحركات العسكرية، والحروب في الشرق الأوسط، تنعكس إيجابياً، بشكل لا يقبل الشك، كما ورد في خطاب بوش، على الاقتصاد الأمريكي، والصناعة الأمريكية، وخاصة صناعة السلاح منها. لقد شجع الرئيس بوش الأمريكيين أن يتبضعوا في موسم الأعياد، في غمزة إلى أن احتلال العراق، رغم أسفه على سقوط بعض الضحايا من الجنود الأمريكيين طبعاً، هو الذي حقق لهم هذا المستوى من الدخل، فلماذا يعترضون على حروب يزدهر بسببها اقتصادهم، ويرتفع بها مستوى معيشتهم؟
في ظلّ هذه الصراحة والشفافية التي أطلقها الرئيس بوش، أصبح الحديث الأمريكي لتسويق واجهة التدخل والحروب عن «الحريّة والديمقراطية وحقوق الإنسان» تعبيراً عن الاعتقاد الرسمي الأمريكي، بأن العرب تعتريهم سذاجة سياسية عارمة حالياً، أو انعدام وعي بحقيقة ما يجري. والدليل هو أن الرئيس بوش لم يذكر في مؤتمره أي تعبير عن أسف لسقوط مليون من الضحايا المدنيين الأبرياء في العراق، ولم يشرْ إلى الثلاث ملايين مهجّر عراقي، وإلى الخراب الذي حلّ بكلّ البُنى المدنية في العراق، وكونه أصبح على شفى التقسيم والحرب الأهلية، كل هذا لم ولا يدخل في حسابات الربح والخسارة لدى بوش، وعلينا نحن العرب أيضاً، أن نكف عن قياس ما تقوم به الولايات المتحدة على مسطرة «الإنسانية» و«الحرّية» و«الديمقراطية». فقد اعترف بوش أنه «لا يكسب الحرب ولا يخسرها»، لأنه ليس معنياً بفداحة خسارة شعب العراق. بل اختتم عام 2006 بتكريم ناتان شارانسكي، ومنحه جائزة «ميدالية الحريّة»، بعد أن اعتمد صقور الإدارة الأمريكية دعوة شارانسكي للتركيز على «دمقرطة الشرق الأوسط»، قبل التحدث عن عملية السلام، وذلك لإشغال العرب، على الأقل لعقدين، بعيداً عن مطالبة «إسرائيل» بالأرض والحقوق والسلام، ريثما تنتهي الأخيرة من معالجة ما يسمى «الخطر الديموغرافي»، إضافة إلى معالجة ملفات أخرى، تصب في الإطار نفسه، مثل عرب "48"، والتأكد من إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين. واختتم بوش عامه أيضاً، بإصدار قانون بمنع إرسال مساعدات للفلسطينيين، الأمر الذي وافقت عليه دول عربية، «بمنع إدخال أموال سائلة للفلسطينيين، أي بكلام آخر ممارسة حرب إبادة منظمة ضدّ الشعب الفلسطيني بأسره».
وقد تجاوب الرأي العام الشعبي العربي مع هذه السياسات، بما يليق بها، حيث أظهرت استطلاعات الرأي، أن الرأي العام العربي ليس بالسذاجة ليصّدق مزاعم بوش، بأن أهدافه نشر «الحريّة»، وهو يرى الاحتلال الدموي، ويرى من هم "أصدقاء" بوش، ومنها استطلاع قامت به مؤسسة زغبي الدولية في الولايات المتحدة، حيث بينت نتائجه، أن موقف الرأي العام العربي تجاه الإدارة والثقافة والمنتجات الأمريكية باتت أكثر سلبية على مدى عام 2006، وأن هذا التدهور في صورة الولايات المتحدة في العالم العربي مرتبط بسبب أساسي مزدوج هو الحرب في العراق، والصراع «الفلسطيني-الإسرائيلي». حيث أعربت الأكثرية عن آراء غير مشجعة للولايات المتحدة، 90% في الأردن و83% في مصر و82% في السعودية، ويعتبرون جميعاً أن صورة الولايات المتحدة وقيمها وشعبها وثقافتها قد تراجعت خلال عام 2006.
ولكن، ماذا عن فوز الديمقراطيين في مجلس النواب والشيوخ، وتقرير بيكر-هاملتون، وكتاب كارتر عن الأبارتيد الإسرائيلي، وخطب كوفي أنان المنددة، وتصريحات كولن باول النادمة؟؟ في الواقع أنها لاقت جميعاً مقاومة شديدة من صانعي القرار الأمريكي، ومن الذين يشاركون في إدارة دفة السياسة الأمريكية، خاصة في الشرق الأوسط. ومن الواضح اليوم، من خلال ردود الأفعال على تقرير بيكر- هاملتون، وكتاب كارتر، أن «إسرائيل» تدافع عن سياسات بدأ الأمريكيون بالاختلاف حولها. فقد أعلنت «إسرائيل» أن «غزو العراق يصّب في خدمة المصلحة الإستراتيجية الإسرائيلية»، وأن «تقسيم العراق هدف مطلوب "إسرائيلياً"، بينما أصرّ تقرير بيكر- هاملتون على وجوب عدم تقسيم العراق، وان الحرب على العراق ألحقت ضرراً بسمعة ومكانة ومصلحة الولايات المتحدة. أشار تقرير بيكر-هاملتون إلى ضرورة معالجة الوضع في المنطقة ككل، فردت وزيرة الخارجية الإسرائيلية أن "قضية فلسطين لا علاقة لها بما يجري في المنطقة».
بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على لبنان، بدأت على الساحة الأمريكية بوادر فهم الفرق بين مصلحة "إسرائيل" ومصلحة «الولايات المتحدة» في السياسات الشرق أوسطية، ولكن التيار الذي يدرك خطورة الرؤية الإسرائيلية على مصلحة الولايات المتحدة مازال خارج السلطة، ولا أعتقد أن استلام الديمقراطيين سيغير الكثير في هذا المنحى، ولكن على العرب أن يتنبهوا إلى خطورة ما تروجّه إسرائيل، وما تدأب لتحقيقه في منطقة الشرق الأوسط عام 2007. لقد بدأ بعض اليهود بالتحرك ضدّ سياسات إسرائيل، وعبّر البعض عن حرجهم من تصريحات أولمرت وليفني حول العراق، والتي تتناقض مع الرؤية التي عبّر عنها الشعب الأمريكي في الانتخابات، ولكن هذا كلّه لم و لا يردع القوى المتطرفة الحاكمة حالياً في إسرائيل من انتقاد جيمس بيكر ووصفه بأنه "عدو" لإسرائيل.
وقد كشفت صحيفة يديعوت احرونوت، منذ أيام قليلة، أن إسرائيل تقوم في الأسابيع الأخيرة بحملة دبلوماسية مكثفة، لكن سريّة وهادئة، في أوروبا لحشد تأييد دولها، التي أصبحت تسيطر على حكوماتها جماعات ضغط إسرائيلية، لا تقل تأثيراً عن مثيلتها الأمريكية، وذلك لفرض عقوبات دولية جديّة على إيران، لردعها عن مواصلة مشروعها النووي، ولكنها أشارت إلى أن الحملة تدار من وراء الكواليس لتفادي اعتبار العقوبات الدولية، في حال إقرارها، مبادرة إسرائيلية. كما قدّم اولمرت للرئيس بوش، خلال لقائهما في 13 تشرين الثاني الماضي، كتاباً حول الاعتداء الإسرائيلي على مفاعل «تموز» النووي العراقي، والكتاب هو بعنوان «تموز يشتعل» للصحفي الإسرائيلي شلومو نكديمون، يروي تفاصيل المحادثات الأمريكية- الإسرائيلية، التي سبقت غارة الطيران الحربي-الإسرائيلي على مفاعل «تموز» قرب بغداد في 30 أيلول عام 1980. وفي ختام اللقاء، أكد بوش لاولمرت عزمه على «عزل إيران في حال واصلت طهران تحديها في المجال النووي!» ومنذ أيام، يدور نقاش أوروبي-أمريكي، حول أطلسة إسرائيل، ومنذ يومين نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقالاً مفاده أن تصعيد أولمرت ضدّ إيران هدفه التحضير لعملية عسكرية على منشآتها النووية!
في مقدمة كتابه «الصهيونية العدو الحقيقي لليهود» يقول الكاتب آلن هارت، نقلاً عن مقابلة له متلفزة مع رئيسة وزراء إسرائيل «غولدامائير»، على تلفزيون البي بي سي برنامج «بانوراما» وأترجم حرفياً:
«توقفت في نقطة ما و قلت لها: "رئيسة الوزراء، أريد أن أتأكد أنني أفهم ما تقولين، أنت تقولين أنه إذا تعرضت إسرائيل لخطر الهزيمة على أرض المعركة سوف تكون مستعدة أن تأخذ المنطقة وحتى العالم برمته معها؟". دون أن تتوقف لحظة، وبصوت جاد، يمكن أن يمتع أو يستفز الرؤساء الأمريكيين، حسب الحاجة، أجابت غولدا: "نعم، هذا بالضبط ما أقوله" ».
لقد بدأت شريحة هامة من يهود أمريكا وأوروبا ترى ذلك، وبدأت شرائح من صنّاع الرأي في الغرب، يرون ذلك، فهل سيرى كلّ العرب الحقيقة الفعلية المجرّدة لمجريات الأمور، والأهداف الأمريكية الكامنة وراء تعابير «الحريّة» و«الديمقراطية»، وتوجهاتها المستقبلية، أم أنهم سيبقون غارقين في انقساماتهم عن "الشيعة" أو "السنّة"، وأوهامهم عن «صداقة» مع العدو، التي تكاد تودي بهويتهم، وبالتأكيد بوجودهم جميعاً؟؟
لن يحسم عام 2007 كلّ هذه الأسئلة، لأنها أسئلة ستأخذ الشعوب أعواماً لمعالجتها، والتعامل معها، وعلى المفكرين والقادة وصنّاع الرأي، أن يسّرعوا من عملية إنضاج الوعي بحقيقة ما يجري، واحتمالات ما هو قادم، كي لا نصبح، كما قال الشاعر أنسي الحاج، في زاويته "رائحة لبنان"، في صحيفة "الأخبار اللبنانية عدد 23 كانون الأول (ديسمبر الجاري)"، : <<شعوباً ملعونة، مندفعة بشغف إلى الهاوية، لا تستحق حتى الاستعمار».