فوز حماس والدروس المستقاة منه
د. بثينة شعبان
30 كانون الأول 2006
حاولتُ أن أتصوّر شعور المواطن الأوروبي أو الأمريكي وهو يرى نتائج الانتخابات الفلسطينية تـُسجِّل فوزاً ساحقاً لحركة حماس بعد أن أوغرت القرارات الدولية والإعلام المُغرِض صدره حول هذه الحركة التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كعادتها عند تقييم أي حركة معادية للاحتلال الإسرائيلي، "حركة إرهابية". بعد ظهور النتائج مباشرة نسي قادة أوروبا والإدارة الأمريكية كلّ تصريحاتهم عن "الديمقراطية" و "الاستقلال" و "الحريّة" وبدأ الجميع يتهدد ويتوعد الشعب الفلسطيني مقلدين بذلك بالضبط ما يقوله زعماء إسرائيل. فرئيس المفوضية الأوروبية كان قد هدّد بقطع "المساعدات" عن الشعب الفلسطيني إذا شاركت حماس بالانتخابات فيما كانت وزيرة الخارجية الأمريكية ووزراء آخرين قد عبّروا عن استيائهم من إشتراك حماس بالانتخابات. كيف يمكن لمن يستيقظ في مدينة غربية ليطـّلع على الأخبار ويذهب إلى عمله أن يفهم هذا التناقض الصارخ بين ما درج البعض على تسميته اليوم "بالأسرة الدولية" أو "الإدارة الدولية"، وما هو بالحقيقة غير التحالف الاستعماري القديم، وبين ما تريده شعوب المنطقة لنفسها ولمستقبل أجيالها؟ وللإجابة على هذه التساؤلات لنبدأ من البداية ولتكن تجربة حركة حماس أنموذجاً عن العلاقة بين الشعب العربي والغرب ومثالاً صارخاً عن تخبّط السياسات الغربية حيال الصراع العربي الإسرائيلي والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والوسائل الممكنة للتخلص من هذا التخبّط وتحقيق السلام والأمن والحريّة والديمقراطية للجميع حقـّاً وليس ضمن مخطط الكراهية الغربية الموجـّه ضدّ الشعوب العربية حالياً.
إنّ ما روّج له زعماء الولايات المتحدة وأوروبا من امتعاض وتهديد لاشتراك حماس في الانتخابات ناجم عن موقف مسبق في جوهره وأخلاقياته ومضمونه وهو أنّ حماس تشكـّل "خطراً" على "أمن إسرائيل" بينما الواقع يشير إلى أنّ إسرائيل، وهي الدولة النووية الراعية للعنف في المنطقة منذ عقودٍ طويلة، هي التي تحتلّ الأراضي الفلسطينية وأراضي عربية أخرى وتغتال قادة حماس ومن تشاء من الشعب الفلسطيني بمن فيهم الأطفال والنساء والشباب، متى "اشتبهت" بأنهم يريدون "تدمير" إسرائيل أولا يعترفون "بحقـّها في الحياة" وواقع الحال هو أن إسرائيل هي التي دمّرت حياة وحريّة واستقلال الشعب الفلسطيني وقتلت آلة العنف الإسرائيلية، التي يموّلها الغرب بسخاء، يومياً ومنذ قرن مئات الآلاف من الفلسطينيين، وهجّرت الملايين منهم عن أرضهم، ونسفت مصادر رزقهم، واقتلعت أشجار زيتونهم لتدفعهم إلى الهجرة أو تبقيهم في فقر وشلل! وواقع الحال يُري أنّ إسرائيل قد احتلت حتى بعد حرب 1967 أخصب وأفضل الأراضي الفلسطينية في الضفـّة الغربية وهي عملياً، كدولة مـُقامة على أساس إيديولوجي، ومؤسسة على تدمير فلسطين ومصادرة مقدّساتها وحرمان الفلسطينيين من كلّ حقوق الإنسان، حتى من الصلاة في المسجد الأقصى، بينما يتحدّث الإعلام الغربي، وهو إعلام مدجج بالكراهية ضدّ المسلمين وبالتطرّف الديني ضدّ الإسلام، عن "تهديد" حماس "لأمن إسرائيل". حماس التي تمتلك أسلحة مشاة خفيفة بهدف مقاومة جنود الاحتلال "تـُهدد" أمن دولة نووية! وينسى قادة "العالم الحرّ" الحريّة والديمقراطية والكرامة والعيش الكريم لأبناء فلسطين على أرضهم التاريخية. ومن الجدير بالانتباه إلى أنّ زعماء أوروبا وأمريكا يتسابقون في دعوة حماس يومياً لنبذ "العنف" و "إلقاء السلاح" بينما لا يرون قوّة احتلال تمتلك كلّ أنواع أسلحة الدمار الشامل وتـُعلن عن خططها لقتل وتهجير الشعب الفلسطيني ولا يعتبرون كلّ المجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين عنفاً ولا يرون التجربة الإيرلندية حيثُ لم يلقِ جيش تحرير إيرلندا السلاح إلا بعد أن توصل إلى اتفاقات ترضيه فلماذا يريدون تجريد شعب يرزح تحت الاحتلال منذ قرن من بضع بندقيات يحاول الدفاع بها عن "أمنه" ومن أجل تحرير أرضه والعيش بحرية وكرامة والتخلـّص من الاستعباد الإسرائيلي للشعب الفلسطيني. والغريب أنهم يدعون إلى نشر الديمقراطية في المنطقة ولكن بشرط أن تأتي حركات أو عناصر هم يختارونها! وحتى عندما لبّت جماعة أوسلو جميع طلبات إسرائيل والأمريكيين فإنهم عوملوا كعناصر "متعاونة" واجبها طمأنة إسرائيل وإلا فإنّ لهم الوعيد والتهديد والعزلة! ليس جديداً القول أن السياسة الغربية منذ أكثر من قرن حيال شعوبنا ومنطقتنا وبلداننا تتسم بالغطرسة والاستكبار وشراء الذمم والضمائر وتبنّي الانتهازيين والخونة ومن لا يمثـّلون حقيقة توجّهات شعوبنا وتوقها للحريّة والكرامة ومن هنا تبرز المشكلة الكبرى بين العرب والغرب التي تبعد احتمالات السلام لأن السياسة الغربية تدعم الظلم ضدّ العدالة، والإذلال ضدّ الكرامة، والقهر ضدّ الحريّة، وترتكز على قاعدة استخدام القوّة الغاشمة لتهديد حياة وحقوق شعوبنا، ولفرض قيم ومصالح وسياسات غربية بحتة على حساب قيم ومصالح شعوبنا وهي، منذ قرن، تعادي وتحارب القيادات التي تمثـّل مصالح شعوبها وطموحاتها بالحريّة والانعتاق من التحالف الاستعماري المعادي على طول الخط لكلّ ما هو عربي، ومن كراهيته وحروبه وتآمره. وفي هذا الصدد من المفيد أن نتذكـّر كيف اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين، الشيخ المقعد على كرسي كما اغتالت قبله وبعده آخرين كثر من حماس هادفة من ذلك إلى توجيه ضربة قاصمة لحماس وإحداث حالة من الإحباط والعجز تقود إلى الاستسلام والتسليم بسياسة الأمر الواقع التي يروّجون لها في معظم اجتماعاتهم.
والدرس الذي قدّمه فوز حماس هو أنّ الغرب لا يريد للشعب الفلسطيني أن يُعبّر بــ "ديمقراطية" عن رأيه، بل أن يَقنـَع بذلّ الاحتلال الإسرائيلي ويغمس إصبعه في الحبر أمام الكاميرات وحسب، ولكن على أن يختار من "اختارته" الإدارة الإسرائيلية مسبقاً وموّلته القوى المتحالفة معها!.
والدرس الآخر هو ما ستقوم به أجهزة الإعلام الغربية فوراً لمسح آثار هذه "الديمقراطية". فلا أحد سيذكر بأنها "كانت مفتوحة وشهدت منافسة كبيرة" وكما أكدت بذلك فيرونيك دي كايزر رئيسة بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي بأن الانتخابات جرت "بحريّة وفي شكلٍ سليم" رغم "القيود القاسية التي فرضتها إسرائيل" والدرس الآخر هو أنّ من سجّلتهم الولايات المتحدة وأوروبا على قائمة الإرهاب "يديرون" أمور مجتمعاتهم بشكل جيد على المستوى المحلي ولم يتورطوا في أي فساد" كما قال الرئيس جيمي كارتر في مؤتمره الصحفي.
والدرس الأهمّ الذي يقدّمه فوز حماس هو أنّ إصرار الغرب على نعت الحركات والأشخاص بالإرهاب في منطقتنا فقط لأنهم يمثـّلون توق شعوبهم إلى الحريّة سيبوء بالفشل عاجلاً أم آجلاً لأنّ الشعوب لا يمكن أن تقبل بالقمع والاستعباد الأجنبي حتى وإن كان هذا الاستعباد الدموي، كما في حالة فلسطين، هو نتيجة الاحتلال الإسرائيلي. وكلّ ما تفعله السياسات الغربية اليوم بتجاهلها المطلق لعملٍ جادٍ ومسؤول لإحلال السلام العادل والشامل على أساس الشرعية الدولية هو أنها تطيل دورة العنف وتوسّع من رقعة الاحتلال وجرائمه ولكنها في النهاية لن تنجح لأنّ إرادة الشعوب هي التي تصنع الأقدار وليس القرارات الظالمة المليئة بالتجنيّ والانحياز والابتزاز. ودلالات هذا الدرس الأخير هي أنّ حملات الدبلوماسية الأمريكية لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي لن تجدي نفعاً كما أن قرار وزيرة الخارجية الأمريكية بزيادة عدد الدبلوماسيين في آسيا وإخراجهم من الدبلوماسية التقليدية ليصبحوا "فاعلين"، كما كان أسلافهم المندوبين الساميين أيام الاستعمار القديم، على ضمائر وقضايا الشعوب لن تـُفيد أيضاً والشيء الوحيد الذي يـُفيد هو العمل من أجل حلول عادلة لقضايا الشعوب وفي الشرق الأوسط المهمّ هو السلام العادل والتنمية والانعتاق من الكراهية الغربية وحروبها المتتالية■