دور سورية الإقليمي والدولي في ظل قيادة السيد الرئيس بشار الأسد

الدكتورة بثينة شعبان

مكتبة الأسد

15 آب 2009

يشرفني اليوم أن أحاول أن القي معكم الضوء على دور سورية الإقليمي والدولي في ظل قيادة السيد الرئيس بشار الأسد.  قبل أن أبدأ  أودُّ أن أحاول تعريف الدور وتعريف الإقليم وتعريف الدور الإقليمي فنحن هنا لا نتحدث عن أي دور  والدور يختلف بطبيعته وماهيته فقد يكون دوراً جليلاً وهاماً  وقد لا يكون كذلك. إذاً من المهم  أن نبقي في الأذهان عن أي دور نحن نتحدث. أما الدور الإقليمي فقد تغير الإقليم تغير شبه جذري في السنوات العشر الأخيرة وأصبحت الأدوار الإقليمية متشابكة  وأحياناً متناقضة للأسف. واعتمد الدور الدولي على مصالح خارجة عن حدود مصالح هذه المنطقة. ولكي نسير سوياً في هذا السياق لا بد لنا من ان نتخيل المنطقة والدور الدولي في صورتين اثنتين: الصورة الأولى هي الصورة التي نعرفها نحن أبناء هذه المنطقة والحضارة والعراقة والتاريخ  والإبداع واللغة. هذه المنطقة التي نعتز بها ونعتز أننا من أبنائها.  هذه الصورة تختلف تماماً عن صورة الإقليم التي بدأت تتوضح خلال الحرب على العراق.   فخلال العدوان على العراق بدا الإقليم في معظم وسائل الإعلام الأجنبية  ومعظم المؤتمرات الدولية خريطة مجردة على الحائط يشير إليها دونالد رامسفيلد بعصاه  ليعلم إلى أين تتحرك القوات الأجنبية أو القوات الأمريكية إلى الشمال أو الجنوب.  وبدا الإقليم خالياً من البشر وخالياً من الحضارة وخالياً من العراقة وخالياً من الأطفال والنساء ومن بابل ومن حضارة بلاد الرافدين. كل هذا لا وجود له في الخريطة الإقليمية التي رسمت الطريق للقوات الأجنبية للقدوم وحتى أحكمت السيطرة  على الإعلام فأصبح للمرة الأولى الإعلام المرافق للقوات  وأصبح الإعلام الحرّ يجب أن يوافق عليه من قبل قائد القوات  كي ينشر وإلا فإن القوات  لا تتحمل مسؤولية سلامة وصحة هؤلاء. كان هذا  تغييراً شبه جذري في النظرة إلى هذا  الإقليم.

أما الدور الدولي في الإقليم فهو دور يتحدث عن أسلحة الدمار الشامل التي تخيلوا او تصوروا انها موجودة أو يتحدثوا عن أشخاص. فقد قرأت الكتاب الصحفي للعدو الإسرائيلي في العام 2002 وكانت النصيحة الأولى في ذلك الكتاب  لكل الكتاب هي أن يذكروا كلمتين اثنتين فقط عن العراق وهما "صدام حسين".  وأن يتحدثوا عن فلسطين وإسرائيل  بكلمة واحدة فقط وهي "الطرفان"  أي لتغيب حقيقة الاحتلال والمحتل.

 إذا الدور الدولي الذي نتمنى أن يكون موجوداً، أن يكون نابعاً من دول ديمقراطية  حضارية  تنشد  الرخاء لشعوبها هو دور مختلف تماماً حين يأتي الأمر إلى  هذا الدور الدولي في منطقتنا، ونحن لا نعيب عليهم ذلك لأنه ليس من مهمتهم أن يأتوا بالإذهار إلى منطقتنا وإن نكن نتحفظ على الإدعاءات بأن أهداف هذه  الحملات العسكرية هي نشر الحرية ونشر الديمقراطية والارتقاء بمستوى المرأة. والمتابع لكل الأخبار التي صدرت عن الحرب على العراق، والحرب على لبنان والحرب على غزة والحرب على أفغانستان والحرب على باكستان يلاحظ ملاحظة هامة جداً  أن هذه البلدان موجودة فقط من منظور وجود القوة المحتلة فيها فنحن نقرأ أخبار العراق في الصحف الأمريكية والصحف البريطانية حين يزور جورج بوش العراق، أو تزور رايس العراق او حين يقول وزير الدفاع الأمريكي شيئاً عن العراق  أو حين يتحدث الجنرال عن العراق. أي أن أخبار بلداننا أصبحت رهينة برؤية ذلك المحتل لهذه البلدان.  ونكاد نتشرب ذلك الإعلام دون أن نعي أن ذلك الإعلام لا علاقة له بقضايانا وبحقوقنا وبأهلنا وبشعبنا وبأبناءنا وبأيتامنا وبأراملنا وبكل هؤلاء الناس،  وللأسف يتناقل الإعلام العربي هذه الأخبار وكأنها هي أخبارنا وكأن هذه هي أخبار العراق.

منذ حوالي ثلاثة أسابيع  حين بدأت العمليات في هلمند في أفغانستان وأنا أقرأ بدقة  وبمتابعة يومية  ماذا يكتب عن أفغانستان في الصحف البريطانية. قرأت عنواناً:  المشكلة هي أن هؤلاء الأفغان لم يعبدوا الطرق ولذلك المدرعات الأمريكية والبريطانية تعاني لكي تصل إلى أهدافها.  أي انه كان من واجب الأفغان أن تعبد الطرق كي تسير هذه المدرعات بطريق جيد.  الجرائد البريطانية كلها تتحدث عن ضحايا العدوان في أفغانستان، تتحدث عن المأساة  عن تلك القرية المنكوبة ولا ذكر لعشرات النساء والأطفال الذين يـُقتَلون كل يوم في أفغانستان.  إذاً هذه المعادلة هي معادلة خطيرة أن بلداننا أصبحت ترى بعين من يغزو او يحتل أو يهدد أو يعاقب هذه البلدان وهنا أصل إلى الدور الذي تضطلع به سورية بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد.

لماذا النقمة على سورية في السنوات الأخيرة ولماذا الحصار على سورية؟  سورية بلد علماني  وقفت ضد الحرب بين العراق وإيران، شاركت في عملية السلام، بدأت بمفاوضات غير مباشرة عبر تركيا.  كل المعطيات السطحية  إذا أردنا أن نقول او التي نراها لا تؤهل سورية لدور كي تحاصر.  كان دور سورية في الحرب على العراق مفصلاً هاماً في موقف الولايات المتحدة والموقف الدولي من سورية.  تتذكرون أن سورية كانت في ذلك الوقت ضد الحرب بشدة وكان معها روسيا وفرنسا وألمانيا ولكن بعد فترة روسيا وفرنسا وألمانيا سوت خلافاتها مع الولايات المتحدة وبقيت سورية ذات الموقف المبدئي والذي لا يتراجع عن أن هذه الحرب هي حرب مدمرة وكما قال السيد الرئيس أن القوات الأمريكية قد تدخل العراق ولكنها سوف تغوص في رماله.

خلال إدارة الرئيس بوش بدات الضغوط على سورية وبدأت الوفود تأتي لتحذر من العلاقة مع حماس، لتحذر من العلاقة مع حماس، لتتحدث كما رأيتم عن "المجاهدين" بين قوسين الذين يدخلون العراق عن طريق الحدود السورية وما إلى هنالك من ضغوط.   طبعاً السيد الرئيس بشار الأسد لم ينثني ولم ينحني ولم يهتز لأي من هذه الضغوط.  ولكن اللافت في الأمر أن هذه الفترة التي تكاثفت بها الضغوط الغربية والأمريكية على سورية بدأت تجد لها أصواتاً  متناغمةً معها داخل هذه المنطقة.  وبرأيي هنا تكمن الخطورة لأننا لم نعد نرى حدوداً فاصلة ً جداً بين من يستهدفنا وبين من يقف معنا.  أصبحت الحدود غائمة بعض الشيء وظهر كما رأيتم ربيع دمشق وإعلان دمشق والكثير من الصحف العربية والمقالات.

إن هذه المواقف التي استهدفت صمود سورية وموقف سورية بدأت تجد أصداءاً لها في بعض الإعلام العربي وفي بعض المناطق العربية    وفي بعض المناطق في الإقليم وهذا ليس صدفة لأنني أتحدث الآن عن تحول في العلاقة الدولية مع منطقة الشرق الأوسط وتحول في المقاربة مع منطقة الشرق الأوسط. لم يعد الاستعمار كما كان يقف على الحدود يحارب بجيوش ينتصر أو يخسر، بل أخذ استراتيجية جديدة  وهي أن يتداخل في هذا الإقليم من خلال عناصر تؤمن به أو بوجوده أو ترهن مصيرها بمصيره ومن هنا كانت المرحلة  أصعب على سورية وإن تكن سورية واجهت هذه المرحلة بشدة وبإباء وعملت آلة الإعلام الغربية وفي ذلك الوقت تتذكرون بعد مقتل رفيق الحريري كيف وجهت كل الأصوا ت إلى سورية وأنا لا اريد أن أعيد إلى الأذهان أي شيء من هذا ولكني أريد أن أذكركم كيف تكاثفت كل الضغوط  عام 2004 و2005 على سورية  وسمعتم أن على سورية ان تختار إما مصير صدام حسين أو مصير فلان وسمعنا أصواتاً كثيرة أن هذا الوحش الكاسر لا يمكن لأحد أن يقف في وجهه وأن السلامة تقتضي ان ننحني ضد التيار. وبرأيي أن الحد الفاصل لكل هذا التشويش والتهديد والوعيد تمثل في خطاب سيادة الرئيس بشار الأسد على مدرج جامعة دمشق في 10/11 عام 2005.  أنا أرى أن ذلك اليوم هو اليوم الذي بدأ الإنفراج عن سورية فعلياً وبالعمق.  وتتذكرون أن الجميع كانوا لا يعرفون ماذا سوف يأتي في هذا الخطاب والجميع مترقبون والوقت كان صعباً جداً.  حين وقف السيد الرئيس على مدرج جامعة دمشق وقال أن المقاومة أقل ثمناً من الاستسلام وأن سورية الله حاميها حسم الموقف برمته وأدرك  الجميع أن سورية لن تستسلم ولن تنحني مهما بلغت الضغوط ومهما كلف الأمر.  كان هذا الموقف مفصلاً هاماً، جاداً وحكيماً في تاريخ سورية ولم يكن موقفاً سهلاً على الإطلاق.  بعد هذا الموقف استمر السيد الرئيس سوءا في لقاءاته مع المحامين العرب، مع المنظمات العربية و في لقاءاته الإعلامية  يقول أن سورية مع المقاومة  وأن هذا الخيار هو خيارنا.  لم يعد إذاً هناك شك في أذهان الآخرين بأن سورية لا يمكن أن تنحني لهذه العواصف ولا يمكن أن تخضع للتهديد ولا يمكن تشترى بالترغيب أو تبعد بالوعيد.  وأتت بعد ذلك الحرب الإسرائيلية الغاشمة على لبنان  وكان موقف السيد الرئيس بشار الأسد موقفاً عربياً لائقاً ومشرفاً ومثلت سورية العمق الحقيقي لصمود أهلنا في لبنان وللمقاومة في لبنان وطبعاً نحن مدركون جميعاً أن المقاومة هي تدافع عن شرف هذه الأمة برمتها.  وعن مصير هذه الأمة وعن مستقبل هذه الأمة.  وكان موقف سورية في ذلك المفصل بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد أيضاً واضحاً لا غبار عليه.

إذاً  بدأ الغرب منذ 10/11/2005 إلى تموز و آب  2006  إلى الحرب الغاشمة على غزة والموقف الرائد الذي أخذه السيد الرئيس بشار غزة في قمة غزة بالدوحة  ومن ثم في القمة العربية في الكويت ومن ثم في القمة العربية العادية في الدوحة أيضاً  اصبح الغرب يدرك أن سورية بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد حسمت خياراتها وأنه لا مجال للضغوط على سورية أو لنجاح هذه الضغوط على سورية.

  ترافق تمسك السيد الرئيس بشار الأسد بنهج المقاومة بخطوات هامة جداً على المستوى الإقليمي، فقرار السيد الرئيس بالانفتاح على تركيا وتعزيز العلاقات مع تركيا بشكل هام وجذري وسريع فتح الباب للعلاقات العربية التركية وفتح الباب لدور تركي هام مساند لهده القضايا العربية بلغ أوجه في الحرب العدوانية على غزة.  كما تمسك السيد الرئيس بعلاقات الصداقة مع إيران ورغم كل الضغوط وقرأتم ما روجه الإعلام أن السلام سيكون على حساب علاقة سورية مع إيران وإلى ما هنالك من اضاليل كان موقف السيد الرئيس وزياراته ولقاءاته دائماً ترسل الرسالة أننا نحن الذين نقرر مع من نقيم العلاقات ونقررها لمصلحة شعبنا وامتنا.  إذاً لم يعد هناك لبس اين تقف سورية في علاقاتها.

بالإضافة إلى تركيا وإيران أتت زيارتا السيد الرئيس بشار الأسد الأخيرتان إلى أرمينيا وأزربيجان لتفتحا فضاءاً إقليمياً متكاملاً  اقتصادياً وسياسياً وحتى اجتماعياً لأن هذه  المنطقة لديها الكثير من المشترك من الثقافة والسياسة وإلى ما هنالك من المواضيع. 

إذاً لم تقتصر رؤية السيد الرئيس بشار الأسد على دعم خط المقاومة وعلى كون سورية  جزء أساسي من خط المقاومة  وطبعاً لم يخضع للضغوط بشأن حماس وبشأن حزب الله وبشأن أي من هذه المواضيع  وإنما شملت أيضاً رؤية إقليمية، برأيي المتواضع، أنها فتحت الباب لعلاقات عربية تركية هامة جدا.  أيضاً كان الموقف من العراق موقفاً حكيماً وحاسماً.  تمسكنا بقيادة السيد الرئيس بوحدة العراق، بحرية العراق، باستقلال العراق وكان دور سورية في كل مفصل من هذه المفاصل إيجابياً حكيماً ومحسوباً.  وتزامن كل هذا مع انفتاح على عملية السلام  ومناداة للسلام العادل والشامل واستعدادا لمفاوضات غير مباشرة تبنى على الحقوق وعلى اساس الشرعية الدولية وعلى أساس مرجعية مدريد وعلى أساس مبدأ الأرض مقابل السلام. 

إذاً حين وصلنا إلى صيف 2008  وبعد مغادرة إدارة الرئيس بوش بدأ العالم يدرك أن سورية لا بد أن تعود إلى العلاقات الطبيعية مع البلدان والتي بدأت بزيارة السيد الرئيس في تموز 2008 في إطار الاتحاد من أجل المتوسط والتي كانت زيارة هامة جداً إلى فرنسا وما تبعها من زيارات إلى سورية سواء زيارة الرئيس ساركوزي أو الزيارات الأخرى أو زيارات السيد الرئيس إلى الخارج.

الآن بعد إدارة أوباما هناك خطوات جيدة لإعادة العلاقات بين سورية والولايات المتحدة إلى إطارها الطبيعية  ولكن الحكمة والصلابة التي ميزت مسيرة السيد الرئيس في تلك السنوات الصعبة هي نفسها الحكمة والصلابة التي تميز قرارات السيد الرئيس بشأن اي خطوة تخطوها سورية مع الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى. المعيار الأساس هي مصلحة الوطن ومصلحة الشعب ومصلحة الأمة والمبادئ التي نعمل من أجلها.

في خضم كل هذا كان هناك اسلوب خطير تتبعه الدوائر الصهيونية ومعها الدوائر الإعلامية الرسمية وهي اتباع اسلوب التهويل من حجم القوة العسكرية الغازية ، تهويل هذه القوى، وإحباط العرب، إحباط الصف العربي ومحاولة تصوير العرب بصور سيئة جداً والماساة بالموضوع هو أننا نحن كعرب، كأمة عربية كاملة لا نمتلك وكالة أنباء واحدة تنشئ الخبر بطريقة عربية  ومن منظور عربي ومن منطلق عربي.  ولذلك نبقى إلى حد بعيد ضحايا الخبر الذي تحكتبه الدوائر الصهيونية المغرضة ومعظم الإعلام العربي ينقل هذا الخبر غالباً دون تحرير.  وهنا تكمن مشكلة كبرى لأن المواجهة اليوم بين مالك حق وبين المعتدي على الحق لم تعد مواجهة عسكرية فقط مهما كانت القوة العسكرية وقد اثبتت  المقاومة الباسلة في لبنان أنها قادرة على أن تتفوق على اسطورة الجيش الإسرائيلي بقدرات  وإمكانات متواضعة إلى حد ما ولكنها كانت متلازمة مع إعلام ذكي وهام وموجه وقادر على أن يكسب الرأي العام الإقليمي والدولي أيضاً إلى حد كبير.

إذاً هذه المشكلة هي إحدى المشاكل التي نتعرض لها اليوم في عالمنا العربي. إحدى المشاكل  الأخرى هي أن العدو الصهيوني قد غير تكتيكه؛  هو لم يعد يفكر بشن حروب وجيوش على الحدود. هو الآن يعتمد مبدأ الاختراق ويعتمد مبدأ التهويل والكسب الإعلامي وهذا ليس نظرية مؤامرة وإنما أمر مكتوب وموجود  وآخر دراسة خرج بها التقرير الاستراتيجي السنوي لمركز دراسات الامن القومي كتبها أفرايم كام لعام 2009 قال فيها إن السنوات الخمس الأخيرة شهدت تطوراً هاماً بالنسبة لإسرائيل لأنها حسمت أن الأنظمة العربية لم تعد تريد حرباً ضد إسرائيل او تريد إزالة إسرائيل وإنما تريد مساراً تفاوضياً مع إسرائيل واثنى على ان إخراج بعض الدول العربية من الصراع العربي الإسرائيلي  كان أمراً في غاية الأهمية وأن ما على إسرائيل أن تفعله اليوم هو الاستمرار بتغذية ذلك الجناح العربي الذي يؤمن أن العلاقة مع إسرائيل تأتي بمكاسب اكبر من الحرب ضد إسرائيل ولذلك ترون إسرائيل الآن تتحدث عن تطبيع بشكل فظيع وأنها تريد التطبيع.  كل هذا يأتي ضمن خطة كبرى وكاملة أننا كلما اخترقنا الذهنية العربية وكلما آمن عرب أكثر بأن العلاقة مع إسرائيل هي أفضل من مقاومة إسرائيل كلما استطعنا أن ننتصر بثمن قليل وزهيد.

الأمر الآخر في هذه دراسة الأمن القومي الإسرائيلي لعام 2009  هو الإصرار على إقناع العرب أن إيران هي العدو الأول وليس إسرائيل ومحاولة زعزعة ضلع المقاومة في هذه المنطقة هم يتحدثون الآن عن المنطقة وليس فقط عن العالم العربي ويصدون بضلع المقاومة إيران وسورية وحماس وحزب الله هذا لا يعني أن المقاومة لا تقلقهم بشكل كبير على العكس من ذلك من ذلك أنا أعتقد أن المقاومة تقلقهم إلى حد كبير ولدي ملاحظة أو ملاحظتان في هذا الصدد.. يذهب وزير خارجية العدو العنصري ليبرمان إلى أمريكا اللاتينية ليتحدث عن خلايا نائمة لحزب الله وعن أخطار ليتحدث عن خلايا نائمة لحزب الله وعن أخطار حزب الله في أمريكا اللاتينية وإذا قرأتهم بدقة مابين السطور في الإعلام العالمي ترون أن المشكلة ليست حزب الله وليس حماس وليست سورية المشكلة هي ثقافة المقاومة المشكلة التي تواجهها ليس إسرائيل اليوم هي ثقافة المقاومة.. كيف يمكن لهم أن يتعاملوا مع ثقافة المقاومة التي تنتعش وتترعرع في هذه الأمة.

الذي يجب أن ننتبه إليه هو أن الإسرائيليين لا يتحدثون على الإطلاق عن الخلافات بينهم وبين الإدارة الأمريكية لا يتحدثون عن نقاط ضعفهم لا يتحدثون عن المشاكل التي تعتريهم ولكنهم يحاولون فقط إضعاف صفوفنا والحديث عن مشاكلنا. وفي هذا الصدد يركزون تركيزاً هائلاً على الإعلام، وفي اليومين الأخيرين قرأت دراسة لمحمود محارب أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس عن المقالات الصهيونية المدسوسة في الصحف اللبنانية أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى 1936/1939. يمكنكم أن تتخيلوا اليوم ماذا يفعلون بهذا الصدد والأموال التي أنفقوها في ذلك الوقت والتركيز على إحباط النفسية العربية والإنسان العربي وإشعاره بأنه مهزوم. أنا أعتقد أن هذه نقطة هامة جداً لأننا يجب ألا نشعر بأي حال من الأحوال أننا ضعفاء أو مهزومون لأن هذا هو بالضبط ما يريده العدو الصهيوني المشكلة الأخرى التي لدينا هي أن بعض العرب يعتقدون أن اللوبي الصهيوني يدفع مليارات لكي يكسب الرأي الأميركي وأن هذا اللوبي يمتلك قوة خارقة. هذا غير صحيح. قبل يومين صدرت دراسة عن اللوبي الصهيوني بعنوان (مصادرة القوة.. أوباما واللوبي الإسرائيلي) أعطت تفاصيل دقيقة عن الأموال التي ينفقها اللوبي الإسرائيلي في الكونغرس وفي الانتخابات الأميركية ووصلت إلى استنتاج أن هذا اللوبي لا ينفق أكثر من واحد بالمئة مما يحتاجه أي عضو كونغرس لكي ينتخب وأن القوة الحقيقية لهذا اللوبي ليست مادية وإنما هي إعلامية وإيديولوجية حيث تتكاتف كل الأصوات الصهيونية لإقناع المسؤولين الأميركيين بالتصويت دائماً لصالح القرارات التي تدعم إسرائيل المشكلة الأخرى في هذا الصدد هي أنه لا يوجد مصدر معلومات عربي مقابل يعطي الإنسان الغربي المعلومات الصحيحة تخيلوا أنفسكم في الغرب. الغرب لا يعرف ماذا نعاني ومن نحن وأين نحن.

وأنا منذ أيام كتبت مقالاً متى يستيقظ العالم العربي والبارحة استلمت /ايميل/ من شخص أميركي قال لي يجب ن تسألي متى يستيقظ العالم ومتى تستيقظ الولايات المتحدة وأوروبا أمام الخطر الصهيوني الذي يرتكب الجرائم ولا أحد يستطيع حتى أن يدين هذه الجرائم إذا هناك جملة من الإشكالات أولها التغيير في الموقف والتغيير في التكتيك وفي الإستراتيجية وفي النهج في هذا الإقليم.. هناك تغيير في المنطقة وفي الأسلوب الذي اعتمده أعداؤن منذ زمن. أنا أرى أن الاستراتيجية والرؤية التي تبناها وتابعها السيد الرئيس بشار الأسد منذ الحرب على العراق وحتى الآن بشكل بدهي وطبيعي تجيب على هذا التحدي. محاولة لم الشمل ولم الأصوات مؤيدة للعرب وليس هذا فقط وإنما في كل مقابلاته يطرح السيد الرئيس بشار الأسد الصراع العربي الإسرائيلي كقضية عدالة.. وأعتقد أن هذا هام جداً وهذه خطوة هامة جداً يعني ماذا أريد من إنسان يتحدث العربية ويقف في الموقف الإسرائيلي (ما عنده شغل معهم) أنا أريد إنساناً يؤمن بالحقوق والهوية والكرامة سواء كان عربياً أم غير عربي. إنساناً يؤمن بعدالة القضية وأعتقد أن النهج والرؤية التي ينتهجها السيد الرئيس بشار الأسد تقود الصراع العربي الإسرائيلي الى فضاء إقليمي أوسع والى فضاء دولي أوسع أيضاً يركز على قضية الحقوق العربية كحقوق عدالة يركز على الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل ضد الإنسانية. وأعتقد أن هذا المسار الذي يتبلور يوماً بعد يوم هو الرد الطبيعي والصائب والحكيم على كل ما تنتجه مراكز الأبحاث في الغرب والتي تحاول أن تروج للتطبيع وتهول من قدرة إسرائيل. لاحظتم في الأسبوع الأخير كم هولت إسرائيل ضرب لبنان وعن عدم السماح لكسر التوازن هذه ليست دلائل قوة وإنما هي دلائل ضعف ودلائل على أن إسرائيل تخشى أن تتجذر ثقافة المقاومة في العالم العربي وإذا انتقلتم إلى أوروبا أو الولايات المتحدة ترون أن الكثير من المهتمين العرب يقولون لنا أننا في السابق لم نكن نتجرأ أن ننتقد إسرائيل. أما الآن فقد بدأت الحقائق تتضح شيئاً فشيئاً.. إذا الرؤية التي ينتهجها الرئيس للدور السوري في المنطقة والعالم هي رؤية متمسكة بالحق العربي منفتحة على السلام على أساس قرارات الشرعية الدولية ولكن أيضاً هي رؤية تحاول أن تجتذب كل أوراق القوة في المنطقة والعالم كي تكون داعمة للحق العربي. في ظل هذه الرؤية

أعتقد أن هذه النقطة تحتاج إلى قدر الإمكان من التعاضد العربي والمواقف العربية السليمة، وأنا أرى هنا أن المشكلة الأساسية أننا لا نمتلك مرجعية إعلامية حقيقية،  يعني هي تنشئ الخبر وتكون مصدراً له وبدون هذا الشيء لا نستطيع أن نأخذ عن وكالات الأنباء وفي غالب الأحيان بدون تحرير هذه مشكلة حقيقية.  الشيء الآخر الذي ركز عليه سيادة الرئيس هو تعزيز ثقافة المقاومة وتعزيز الحضور الثقافي العربي في العالم لأن المعركة ليست سياسية اليوم فقط وليست عسكرية فقط وإنما هي معركة حضارية وثقافية والدليل على هذا ان إسرائيل تبني المستوطنات وتهدم البيوت وتغير أسماء القرى والمدن. تقوم بتغيير الهوية العربية وبتسجيل بعض الماكولات العربية باسمها.  هي تلبس مضيفاتها على طيران العال الفستان الفلسطيني المطرز.  الا نستطيع نحن ما يقارب 400 مليون عربي أن نعزز هذه الثقافة حقوقيا وثقافيا وبكل الطرق الممكنة.  لدينا 11 ألف أسير في فلسطين لماذا لا نجعل من هذه القضية قضية يسمع بها العالم يومياً ويحفط أسماء هؤلاء الأسرى.  نحن ايضاً مقصرون بحق أنفسنا وبحق قضايانا ولا بد لنا من أن نتبع أساليب جديدة وأن ندرك اي يذهب التحدي.  بالنسبة للعرب يذهب التحدي إلى التفتيت وإلى بناء الجدران،  يعني بلد عربي يقول عن بلد آخر لا بد من استعمال العصا الأمريكية أو يبني جدار مع البلد الثاني!  هذا كله جزء من المعركة التي تشن ضدنا نحن كعرب وما لم نعي ذلك لن يستطيع ان نتخذ موقفا قادرا على تغيير الرأي العام العالمي نحونا،  صحيح ان أوباما رجل منطقي وجيد ولكن بحاجة غلى معطيات من قبلنا نحن العرب لكي نستطيع أن نغير معادلة الصراع العربي الإسرائيلي لصالح العرب.  انا ارى ان مسيرة السيد الرئيس بشار الاسد وحكمته وخطته ومقاومته ورؤيته التي عالج بها دور سورية وموقعها وموقفها بدون اي مبالغة هي الوحيدة المرشحة لان تجابه الخطط التي ترسم لإحباط العرب والنيل منهم وتغيير مصيرهم، لكن أنا ارى أننا نحن جميعاً بحاجة إلى أن يشعر كل واحد منا أننا نيستطيع أن نقدم شيئاً واننا مسؤولون مهما كان هذا الشيء صغيراً.   

يجب على كل عربي أن يشعر أن عليه ان يقدم شيئاً لأن أهلنا في غزة هم في خط الدفاع عن هذه الأمة وكذلك أهلنا في الضفة وأن مصير اي فلسطيني واي عربي هو مصير أي منا في هذه القاعة.  ما لم نصل إلى هذه القناعة لن نستطيع أن نواجه التحديات التي تواجههنا اليوم.

أود أن أخلص بالقول إن هذه الرؤية التي اثبتها وعززها ومارسها سيادة الرئيس بشار الاسد لم تنقذ سورية فقط من الحصار وإنما رسمت وعززت نهجاً عربياً حقيقياً يخشاه الأعداء ويتعاون معه الأصدقاء وبإذن الله في هذه الرؤية ستتغير الخارطة التي كان يضعها رامسفيلد لتضع عليها علماءنا وأدباءنا وشهداءنا وحضارتنا.