دور سورية في المتغيرات الإقليمية والدولية
بثينة شعبان
المركز الثقافي العربي – محردة 28/5/2009
دور سورية في المتغيرات الاقليمية
والدولية، ولا يخفى على أحد أن دور سورية قد قاده وهندسه وعززه وألّقه السيد
الرئيس بشار الأسد. ما الذي تغير هذا العام وما الذي تغيّر منذ تموز الماضي حين
ذهب السيد الرئيس الى فرنسا في زيارة هي الأولى الى أوروبا منذ سنوات وشارك في اجتماع الاتحاد من أجل المتوسط
وتتالت بعد ذلك زيارات الأوروبيين والأمريكيين والأجانب الى
سورية بعد سنوات من محاولة عزلها وتهديدها، وقد تساءل الكثيرون في الإعلام العربي ما الذي تغير وماذا غيرت سورية في مواقفها أوفي فكرها أوفي سياستها
حتى تم هذا التغيير في المواقف المتجهة إليها. في محاولة للإجابة على هذا السؤال
أستعيد بإيجاز ما مر على سورية في هذه السنوات الخمس الماضية وكيف تعاملت سورية مع
المتغيرات الإقليمية والدولية إذ من الأسهل علينا اليوم أن ننظر الى الوراء وأن نرى ماذا حدث ولماذا حدث وكيف حدث، وهذا
يساعدنا في قراءة الحاضر واستشراف آفاق المستقبل أيضاً.
قد يكون من السهل علينا الآن أن نستقرئ
وأن نستنتج، ولكن مواقف سورية في ذلك الوقت لم تكن مواقف سهلة فقد كانت الإدارة الأمريكية
بقيادة الرئيس بوش في قمة غطرستها، وفي قمة الحرب على الإسلام حيث بدأت الإسلاموفوبيا كما يسمونها والعداء للإسلام والعرب، وبدأت
نظرية «نقتلهم في بلدانهم أفضل من أن يأتوا الى بلدنا
ويقتلونا» وإلى ما هنالك من نظريات حاولت أن تحبط شعبنا في منطقتنا وأن تدعوه الى الاستسلام لهذا النهج الأمريكي. ولا يخفى على أحد دور
الذين تعاملوا مع هذا الاحتلال إما خوفاً وإما يأساً وإما إيماناً بأن هذه القوة
الطاغية لا يمكن لأحد أن يقف في وجهها، وتتذكرون الضغوط التي مورست على سورية
أيضاً من أجل وجود ممثلين لحركة حماس في سورية، والمسؤولين
الأمريكيين الذين أتوا الى دمشق /كولن
باول/ في ذلك الوقت، وطلبوا من السيد الرئيس أن يتخلى
عن المقاومة ويتخلى عن علاقته بإيران، وكانت أجوبة السيد الرئيس واضحة في الأفعال
وليس فقط في الأقوال فهو لم يتخل عن أي علاقة استراتيجية
لسورية تؤمن بها وترتكز على المبادئ والأسس والحقوق. واستمر هذا الضغط لعزل سورية
من قبل البعض في المنطقة وليس فقط ممن هم خلف المحيطات وكون الاعلام
العربي في جزس منه يردد فقط ما يقوله الآخرون فقد بدأت
ترتفع أصوات في العالم العربي وحتى لبعض السوريين لتنبه إلى الأخطار المحدقة بنا
وأننا كمن ينحت في الصخر وأن سورية لا يمكنها أن تواجه كل هذه التحديات وكل هذه
التهديدات والعقوبات، ووصلت محاولات عزل سورية من قبل الأوروبيين والأمريكيين وبعض
العرب أيضاً إلى التهديدات ومحاولة محاصرة سورية ذروتها في عام 2005. وأعتقد
شخصياً أنها الحد الفاصل بين التهديد وبين الانتصار، وأن نقطة انتصار سورية بدأت
في كانون الأول عام 2005، حين ألقى السيد الرئيس بشار الأسد كلمته الشهيرة في مدرج
جامعة دمشق وقال فيها: «المقاومة أقل ثمناً من الاستسلام» وتتذكرون عبارته في ذلك
الخطاب «سورية الله حاميها»، كان الجميع وقتها يشعر بالقلق على سورية.. تتذكرون في المؤتمر القطري في حزيران عام 2005 كيف بدأت بعض
الشائعات تتحدث عن تغيير اسم حزب البعث، خاصة وأن الولايات المتحدة بدأت تشن حملة
عليه. أعتقد أن ما نحصده اليوم قد بدأ وانطلق في كلمة السيد الرئيس في عام 2005 في
مدرج جامعة دمشق لأنه في تلك الكلمة، قال للعالم: نحن صامدون وسورية صامدة على
الحقوق وعلى المبادئ، ولا تراجع ولا تخاذل ولا تهاون، هذا هو السبب الأساسي الذي
أدى إلى الانفتاح الذي بدأنا نشهده منذ صيف العام الماضي إلى هذا الصيف، هذا هو
أول سبب بالنسبة لنا كسوريين، وبعد ذلك طبعاً قامت إسرائيل بالاعتداء على لبنان
عام 2006.
وهذه الدراسة لم تكن من مركز أبحاث واحد وإنما من أهم سبعة مراكز
أبحاث في أمريكا، إذاً هذه الاستراتيجية التي صممت
للمنطقة اعتمدت على غزو العراق وعلى تهديد سورية وعلى إثارة الفتنة بين لبنان
وسورية وعلى إهمال الشعب الفلسطيني والسماح للاستيطان أن يستمر وينتشر في أرض
فلسطين، وكانت بعض الأصوات تحاول أن تبدي للعالم وكأن لا خيار للعرب سوى أن
يستسلموا لهذا التيار ولهذه الموجة الفظيعة، ولكن حين صمدت سورية وصمد لبنان وحين
تمسك العرب بحقوقهم لم يبق أمام إسرائيل سوى أن تشن حرباً على المقاومة في لبنان
عام 2006 وكلكم تتذكرون التوقعات حيث سألتني مذيعة بي بي سي بأنه خلال أسبوع سيتم القضاء
على حزب الله فقلت لها أن كونداليزا رايس لا تعرف أن حزب الله هو لبنان وهو شعب لبنان المقاوم
ولهذا لبنان لن ينكسر ولن يستسلم.
كلكم تتذكرون
كيف كانت قضية الحرب على لبنان، قضية تبنتها الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت وكيف
أتت رايس الى المنطقة وحاولت
أن تشد أزر إسرائيل لترتكب أبشع الجرائم بحق الأبرياء والأطفال في لبنان.
تزامن ذلك مع ما
نشر في ذلك الوقت من قبل مخترقين ومستسلمين حاولوا أن يروجوا للدعاية الصهيونية
التي تحاول أن تبث الإحباط واليأس في نفوس الناس، وطبعاً كانت سورية دائماً
الداعمة للمقاومة وفتح الشعب السوري برمته أبوابه وقلبه لإخوانه وأخواته من الشعب
اللبناني، ونحن دائماً اعتبرنا أن مصير سورية ومصير لبنان واحد، وأن مستقبل سورية
ومستقبل لبنان واحد، وأن أمن سورية وأمن لبنان واحد، وكان للشعب السوري ولقائد
سورية الفضل في هذا الصمود.
انتصرت المقاومة
وانتصر لبنان وانتصرت سورية بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد وأيضاً فازت حماس في
الانتخابات بانتخابات ديمقراطية في الأراضي الفلسطينية المحتلة شهدت الأمم المتحدة
والرئيس كارتر، بأنها من أنزه الانتخابات التي أجريت فماذا كان جواب العالم؟ لم يعترف بنتائج هذه الانتخابات فقد كان الاعتراف يعتمد على
الجهة التي يرغبون أن تنجح فإذا لم تنجح هذه الجهة سحبوا اعترافهم بالديمقراطية
والانتخابات بل وسكتوا عن اعتقال أكثر من ثلاثين عضواً برلمانياً فلسطينياً
منتخباً على رأسهم رئيس البرلمان الفلسطيني السجين عزيز دويك الذي يجب أن يعرف كل
رئيس برلمان في العالم أنه مسجون في السجون الإسرائيلية وهو رئيس برلمان منتخب
بشكل ديمقراطي.
يمكن لكم أن تتخيلوا صدى خطب السيد الرئيس ومقابلاته التي كبرت
دائماً على الجراح والتي لم تنزل إلى المستوى الذي كانت تُعامل به سورية من قبل البعض، هذا الأمر لا يعجب أعداء العرب ولا
يعجب أعداء سورية لأنه يؤشر إلى طريق التمسُّك بالحقوق والهوية مهما بلغت الصعاب
ولأنه يؤشر أن قائداً شاباً في العالم العربي يأبى إلا أن يحمل لواء العروبة وإلا
أن يدعم المقاومة وإلا أن يتمسَّك بالحقوق والأرض وإلا أن يتمسَّك بالقدس، وعودة
اللاجئين وهذا يعتبره الأعداء خطيراً جداً، من هنا أتى الهجوم على سورية والتضييق
عليها طيلة هذه السنوات ولكن سيادة الرئيس في كل خطبه وقد نشط اعلامياً
بشكل عظيم ولا تعرفون كثرة المقابلات التي يعطيها السيد الرئيس لأنه يرفض في معظم
الأحوال أن تنشر هذه المقابلات عندنا فهي موجهة
لأوربا وأمريكا يتحدث فيها عن الحق والصمود العربي وعن الكرامة العربية وعن
الصمود العربي وعن حق العرب في طموحهم إلى إعادة أرضهم والعيش بكرامة وحرية
واستقلال.
إن استراتيجية الرئيس الأسد هي أننا مؤمنون بالسلام ونريد السلام
ولكن على أن يكون هناك شريك في الطرف الآخر يريد السلام ويرغب بالسلام فعلاً وفي
هذه الأثناء وفي الوقت الذي صمدت به سورية استمرت في
علاقاتها الاستراتيجية والتاريخية مع إيران البلد
الصديق والهام في المنطقة كما طورت سورية علاقاتها بشكل متسارع
مع تركيا البلد الجار والمهم والمؤيد للقضايا العربية والحق العربي.
في ظل هذا
الانفراج في المنطقة تحاول الرؤية الاستراتيجية للرئيس
الأسد أن تستجمع عناصر القوة مستندة قبل كل شيء الى دعم
الشعب السوري الذي عبَّر في كل لحظة وفي كل مناسبة عن تأييده للرئيس الأسد لأن
الرئيس الأسد هو ابن هذا الشعب وهو يمثل هذا الشعب بصموده وبرؤيته وبتمسكه بالحق
العربي ومن هنا تأتي قوة سورية من الرؤية المشتركة بين الشعب السوري وقائد هذا
الشعب، واليوم قرأت مقالاً مضحكاً في جريدة يدعوت احرونوت الاسرائيلية يقولون فيه
احذروا الشخصية الأكثر شهرة في العالم العربي حسب استفتاء قام به
مركز بروكينز في الولايات المتحدة. إنه الرئيس بشار
الأسد وهو الثاني على مستوى العالم بعد هوغو شافيز.
إن الإعلام الغربي لا يهتم بشعبنا وهم يختصروننا بأشخاص وأحداث
والشرق الأوسط لا يذكر في أهم المجلات والشاشات الغربية إلا حين يكون هناك حرب أما
كحضارة وكثقافة وكشعب وكأديان فنحن لا ُنذكر وصورتنا هناك غير موجودة كما نعرفها
نحن وكما نراها ولذلك فهم يفاجؤون لأنهم لا يعرفون نبض
الشارع العربي وأين يقف الشعب العربي وكيف يفكر العرب بحقوقهم بتاريخهم ببلدانهم
بمستقبلهم.
إن زيارة الرئيس الأسد إلى فرنسا ومشاركته في قمة الاتحاد من أجل
المتوسط في تموز الماضي وما تلا ذلك من انفتاح الغرب على سورية إنما هو عودة الغرب
إلى رشده وصوابه لأن سورية بلد إقليمي هام يسعى الى
السلام والاستقرار ولأن القيادة في سورية تقود النهج السياسي الحكيم الذي يريد
السلام مع الكرامة ومع استعادة الحقوق وكل ما نراه من انقسام وفرقة سواء في الصف
الفلسطيني أو في صفوف أخرى هي محاولات لتفرقة العرب ولإضعاف صوتهم على الساحة
الدولية ولذلك نلحظ كيف يدعو الرئيس الأسد الى وحدة
الصف وفي لقاءاته وفي عمله السياسي اليومي يعمل مع كل الأطراف من أجل وحدة الصف
العربي لأنه يعلم أنه دون وحدة الصف لايمكن أن يكون للعرب
قوة أو احترام ولايمكن أن تكون لهم مكانة على المستوى الاقليمي والدولي، ولكن المذهل أن من يتبنى رؤية الغرب أو
رؤية بعض خصوم العرب لا يقرؤون ماذا يفعل هذا الغرب بمن يستخدمهم في منطقتنا ومن
ثم يرميهم جانباً وهناك أسماء شتى خدمت العدو الصهيوني وخدمت المخطط الأمريكي قبل
أن يجري إلقاؤهم جانباً.
أما حان للعرب أن
يعوا أنه لا يحقق لهم الكرامة إلا التمسك بحقوقهم وبوحدتهم وبلغتهم وهذا بالضبط
نهج سورية الذي يكسبها الاحترام. وكنت هذا الصباح مع سيادة الرئيس أثناء لقاء
اليوم عضوي الكونغرس ورأيت مدى انصاتهم عما تحتاجه هذه
المنطقة لأننا نحن أبناء المنطقة، ونحن الذين نعرف ما تحتاجه وأين هو الحق وأين هو
الباطل و الرئيس الأسد يقود هذه الرؤية
بحكمة ووعي ونفاذ بصيرة.
إذاً سورية مستمرة في نهجها وفي سياستها وفي انفتاحها على العالم
هذه ليست سياسة تدعو الى الحرب بالعكس هي سياسة تدعو الى السلام ولكنها لا تقبل أبداً بأي استسلام هناك فرق كبير
بين أن نؤمن بالسلام وبين أن نسلِّم أي ذرة تراب من أرضنا أي حق من حقوق شعبنا
وأنا لا أقصد الشعب السوري فقط وإنما أقصد الشعب العربي برمته لأننا في سورية
حريصون على العروبة والعروبة هي قضيتنا ولن نتخلى عنها.
إذاً ما فعله السيد الرئيس بشار الأسد في هذه السنوات الصعبة هو أن
يقود سورية الى بر الأمان ويثبت للعالم صوابية الرؤية السورية وصوابية
نهجها واستراتيجيتها وأيضاً مرونة رؤيتها بما يحقق
السلام والاستقرار في المنطقة وبالنسبة للبنان أنتم تعرفون عبارة الرئيس الأسد
الشهيرة في كل الأوقات: إننا نحن نتفق على كل ما يتفق اللبنانيون عليه وطبعاً
تشعرون بمدى النفاق الغربي حين صرح ايهود باراك أنه إذا
انتخب اللبنانيون حزب الله فإن غضب الجبروت الإسرائيلي سوف يصب على لبنان. والغريب
في الأمر أن الاعلام العربي لم يلتقط هذه العبارة وبدأت
أبحث في شاشات التلفاز عمن احتفظ بهذه العبارة على شريطه الاخباري.
قلة قليلة احتفظت بها أو انتقدتها أو تحدثت حولها.
وشكراً لكم.